نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش -7

ثالثا : التجربة المحدودة والعمل الروحي المبتور 


من هنا بدأت في تقليد هذا النص مع فهم للتصوف بطريقة آلية،أي جعله يخضع للعادة النفسية والممارسة المستمرة بشكل ميكانيكي؛ ثم بعد ذلك انتظار أن يحصل المطلوب! 
فكان هذا الفهم قاصرا ومضيقا لحقيقة التصوف،سينبه عليه الغزالي نفسه في عدة كتب منها: المنقذ من الضلال خصوصا،و بداية الهداية ... 
لكن مع ذلك فقد أعجبت بالفكرة وتجاوبت معها لغاية أن بدأت أذكر الاسم المفرد"الله" بالطريقة التي وصفت في ميزان العمل،ومن دون التنبه إلى النقطة الرئيسية أو العامل الأساسي في ضمان النتيجة ألا وهو:الأستاذ المحدد لنوع الأذكار والفقيه الروحي الذي يضع الدواء المناسب في المكان المناسب وبحسب الشخص المناسب !. 
هذه مسألة قد يتطفل عليها الكثير من أشباه البحاث أو ذوي الإسقاطات في تحليل التصوف حينما يقولون:بأن تصوف الغزالي لم يكن على يد شيخ !وذلك حينما يريدون أن يتمشْيخوا بوصفهم الجزافي لطريقة التصوف و تحديدهم الذاتي لمنهج 
إذ النص واضح في مسلك الغزالي المبدئي وأخذه الإذن في الذكر ولا يحتمل تأويلا أو إغفالا !!!. 

من هنا فما أن شرعت في ممارسة الذكر بالاسم المفرد "الله الله"حتى بدأ يصيبني الإعياء والملل وثقل اللسان،فلا أتحصل من قريب أو بعيد على ما ذكره الغزالي في تجربته. 
فلقد كنت أفتقد الطاقة الروحية المحركة والضامنة للاستمرار والمداومة على هذا الذكر،بعكس ما قد يظنه البعض أنه من أسهل الأذكار وأبسط من جميع العبادات !. 
في هذه الفترة بالذات أذكر أني عثرت على كتاب مازلت احتفظ به،عنوانه "خزينة الأسرار الكبرى وجليلة الأذكار"لجامعه محمد حقي النازلي، يتضمن الحديث عن فضائل السور والآيات والرقى،كسورة الفاتحة والإخلاص وآية الكرسي ...كما يتضمن ملخصا لعلوم القرآن ومفهوم الإيمان وأشياء صوفية. 
فكان أهم ما رسخ في ذهني منها "باب أقوال المشايخ ووصية الشيخ السهروردي في علامات المرشد الكامل "الذي من شروطه كما يقول لكي يصبح نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :  " أن يكون تابعا لشيخ بصير يتسلسل إلى سيد الكونين صلى الله عليه وسلم...ومثل هذا الشيخ نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يصلح للاقتداء به،ولكن وجوده ناذر أعز من الكبريت الأحمر! وإن ساعدت السعادة فوجدت شيخا كما ذكرنا؛لا تفارقه،وكن خادما له باليد والمال والجاه و احفظ قلبه وأوقاته وسيرته لقوله تعالى:"وكونوا مع الصادقين"ولما ورد في الحديث "كن مع الله وإن لم تكن مع الله فكن مع من كان مع الله فإنه يوصلك إلى الله إن كنت معه"وفي حديث آخر"الشيخ في قومه كالنبي في أمته "كذا في عوارف المعارف وفي روح البيان ....انتهى "(خزينة الأسرار الكبرى جليلة الأذكار.. محمد حقي النازلي..دار الكتاب العربي بيروت ص227). 

نظرا لصغر سني وضعف استيعابي للموضوع فقد فهمت لأول وهلة أن الشيخ هنا عبارة عن رجل كبير السن عليه سمات التقوى من خلال مواظبته على الصلاة في المسجد مثلا،أذكر أني ذهبت حينذاك أبحث- في تردد واستبعاد-عن شيخ طاعن في السن من هذا الصنف أريد مجالسته ومحادثته. 

غير أني عدلت عن هذا الفهم سريعا وبداهة،في حين استمر نزوعي مع ذلك نحو ممارسة التصوف بأي وجه كان وبأبعاده الروحية المتوقعة وتجلياته العرفانية والمتمركزة عند عشق وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحد التطلع إلى رؤيته إما مناما أو مشاهدة. 

بحيث قد وجدت في نفس الكتاب بعض الأذكار والسور التي توصف بالعدد المحدد والكيفية الخاصة وأن من قرأها ونام على شقه الأيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة . 

هرعت عند هذا مباشرة إلى التطبيق وترقب النتيجة،لكنه لم يتحقق لي المراد في حينه،وذلك لأنني أخذت الوصفة من غير متصل فكيف يتم ذلك؟! 

فما كان إلا أن حقق الله تعالى هذا المراد في فترة موالية بعد ما عثرت على رمز الاتصال في زمانه،ألا و هو شيخي وأستاذي ومرشدي سيدي حمزة بن العباس القادري بودشيش رضي الله عنه. 

إن هذا النزوع الروحي بكل تطلعاته وحمولاته على هذا الشكل المكثف وبفهم ضيق للتصوف وقواعده كذلك، موازاة مع سعي ذاتي إلى تحصيل الاطمئنان عاريا عن أية مساعدة خارجية أو تحليل للحالة النفسية التي كنت أعيشها لن يعمر طويلا،بل سيعرف فتورا وتقلبا،وأيضا نزوحا نحو الاندماج الاجتماعي بكل تفاعلاته وتصادماته وتناقضاته،وسيتحول الانعزال إلى الظهور بمظهر الانفتاح و اللامبالاة وكذلك بمظهر العنفوان والعنف معا . 
إذ العنفوان سيتجلى في كثرة الحركة وممارسة الرياضة البدنية من لعب كرة القدم التي غالبا ما كانت تنتهي في الأحياء بالمشاجرة وتبادل السباب واللكمات أحيانا. 
ثم سيغلب علي في ظل هذه الأجواء الميل إلى ممارسة الفنون القتالية كالكاراتيه وغيره، وحتى رياضة الجمباز كنت قد شرعت في مزاولتها بصورة منتظمة لفترة ما،إضافة إلى ما صار يبدو علي من ميل إلى الغناء الذي كان يغلب عليه الطابع الشرقي تقليدا جيدا كما كان يعترف به بعض الأصدقاء ! 
بالتالي سيتلون أسلوبي في المحادثة بلون النكتة والحكايات الناذرة،لغاية أن بعض الأصدقاء اقترح علي المشاركة في تقديم عروض مسرحية نظرا لجهورية صوتي وإيقاعاته الموسيقية ،وتمتعي بروح النكتة التي ستساعدني فيما بعد في إنجاح مهمتي التدريسية كعنصر بيداغوجي وتربوي يحقق التواصل والإيصال بشكل مريح. 
لكن كل هذه الأشياء لم تعمر طويلا في حياتي لأنني كنت أعاني من ظاهرة الملل النفسي! 

فلا أكاد أكمل شهرا في تعلم فن من الفنون حتى ألفظه وأغير المسار، ومن ثم فلم أصل إلى إتقان أي فن من الفنون أو أبرز فيه بشكل منضبط ومطرد. 
بحيث كان الملل يأخذني أخذا حيث اتجهت،ولا يشفي غليلي شيء مما أسعى إلى تحقيقه؛ وذلك لأنني كنت عَطِشا أبحث عن الماء الزلال الذي لا أظمأ بعده أبدا والرياضة الرشيقة التي تطير بصاحبها إلى ما فوق السحاب وتتطلع إلى كشف الحجاب. 
إذ أن تغيير هذا السلوك الذي سأعتبره من أهم كرامات الطريقة القادرية البودشيشية علي،وذلك لاجتذابي نحو الاستمرارية والالتزام المتواصل والمنضبط على فترة طويلة وبدون ملل أو قل إلى فترة العمر وما بعده إن شاء الله تعالى! 
كما أعتبر هذا التغيير في نظري عنوانا على أن الفيض الذي نشرب منه من صنف الماء الزلال،الراوي لظمأ الحيارى والعطشى والمغذ ي لجذور الروح والقلب من عمق الأعماق... 


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016