الاثنين، 7 يناير 2019

كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش


كتاب : رهان الأرواح في صحبة قطب الصلاح الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش

الدكتور محمد بنيعيش

بسم الله الرحمن الرحيم 

" اللهم صل على سيدنا محمد الذي ملأت قلبه من جلالك وعينه من جمالك فأصبح فرحا مؤ يدا منصورا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما"

مقدمة : 
قد يحار المرء حينما يريد أن يكتب عن سيرته الذاتية من أين يأخذ رأس خيطها،وقد يتردد عند أخذه في أي اتجاه يجذبه وذلك لعدة عوامل وأسباب توقعه في هذا التردد.

هذه الحيرة التي تأخذ عدة صور: منها ذات الخاصية الموضوعية المحضة والصبغة الأدبية المعبرة عنها، ومنها ذات الطابع الذاتي، قد تتحكم فيها الأحكام المسبقة والتوجيهات الانطباعية المتداولة فيها الرغبة الملحة والهوى النزوي وما إلى ذلك مما يطبع الأعمال الذاتية بصفة عامة.

لكنها قد تهون وتتجاوز حينما يتعلق الأمر بعمل أدبي أو روائي محض وكذلك حينما يكون المقصد من السيرة الذاتية طرح أو حل إشكالية فكرية ومذهبية متداولة وجدلية تحتمل الزيادة والنقصان والتمويه والبيان أو المراوغة والضرب على أوتار الأفراح والأحزان.

ذلك لأن مثل هذه المواضيع لها صور مماثلة في الخارج، ونماذج متكررة ومتداولة قد تصبح سهلة المقارنة والقياس يعيشها جل أو غالبية الناس ...

فكم من أديب استخرج من الحيوانات بغيته النفسية وأفرغ عليها مكبوتاته وتصوراته الذاتية، فأنطقها بلسان حاله لا بلسان حالها؛ ومطط في عالمها وصورها كأنها نموذج سلوكي يحتذى ومظهر أخلاقي يقتدى به.

وكم من مفكر حاول الربط بين الفكر الماضي والحاضر وأسقط ذاك على هذا أو هذا على ذاك ،واقتبس من الآلة تصوره وأنطقها على نمط الأديب إنطاقا؛ حتى وصف بعضها بالعقلانية، كمثل العقل الإلكتروني أو الإنسان الآلي وهكذا دواليك ،وبالتالي أصبحت الآلة هي التي تحدد فكره لا أن فكره هو الذي يحدد طبيعة الآلة .

لهذا فحينما يتحدث عن علاقته بها كسيرته الذاتية يجعل منها البطل القائد وهو التابع بل يسعى إلى تقييد فكر الإنسان بقيدها وحصره في شبكتها،كما هو الشأن في أجهزة الحاسوب الإلكتروني وغيره ،ومن ثم قد يتم التجاوب مع فكره من باب المعاصرة والتقدم والحداثة والعولمة وما إلى ذلك ...

لكن،حينما يكون الموضوع متعلقا بسرد حياة روحية ما؛والعمل على توصيلها إلى القارئ أو المستمع فإن المسألة تبدو جد معقدة.

ذلك لما فيها من تداخلات وتشابكات قد حار في تحديدها جهابذة الصوفية وأهل المعرفة،لحد أنهم لا يكادون يتفقون على تعريف قار للروح ومستلزماته،وبالتالي امتداداته وشموليته للأعضاء الذاتية الأخرى؛ سواء منها القريبة المعنى والجوهر أو البعيدة،كشأن العقل والقلب والنفس والسر وما إلى ذلك مما هو مثار الجدل عند التحديد.

لأنه كثيرا ما يلتبس على المعبر مفهوم الروح بمفهوم القلب ومفهوم النفس بمفهوم الذات وكذا القلب بالعقل وشمولية الروح للسر أو العكس وهكذا...

في هذا الكتاب سنسعى إلى اختزال حياة روحية ومدرسة تربوية قائمة على المحبة والرضا والصدق والإخلاص في شكل سيرة شبه ذاتية،تجمع على مائدة صوفية بين مريد متحفز ومتحمس روحيا منذ عهد شُرَّة الصبا وأستاذ خبير وطبيب وعارف للمسالك الروحية يقيه في طريقه المهالك يذكره الله إذا رآه ويوصله بإذن منه إلى مولاه.

هذا الأستاذ هو سيدي حمزة بن سيدي الحاج العباس بن سيدي المختار القادري بودشيش، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية الملتحق بالرفيق الأعلى مؤخرا ،رضي الله عنه وأكرم مثواه وزاده رضا على رضا ومقام على مقام وألحقنا به على العهد والوفاء إلى يوم الدين وفي جنان المعرفة و بساط الشهود الذي ما بعده من شهود أو جود .

ووفق خليفته ونجله وارث سره ومعتصر عرفانه ومتقلد لوائه ومستحق إذنه بالحال والمقال وجميل الخلق والأعمال مع قمة التواضع والورع والصبر ولب الصفاء: الشيخ الجليل والجميل سيدي جمال بن الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش رضي الله عنه ووفقه في مهمته وأكرمه بحفظه وعنايته وأقر عينه بذريته ومريديه وجعل ابنه الدكتور سيدي منير ذي الإ ذن المسبق والإشارات اللامعة من جده وأبيه في ضمان استمرارية الدعوة وسريان هذا السر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

فلقد طبع شيخنا سيدي حمزة حياتنا الروحية أفرادا وجماعات ،ذكورا وإناثا ،صغارا وكبارا ، بصحبته على شكل رهان رابح يستشرف المستقبل بثبات ويقين ويغير الحاضر بحكمة وتوجيه رصين، ويختزل الماضي بعلم ودواء مكين.

فكان بهذا اغتناما للزمان واستغلالا للمكان واستدراكا لما فات واستقبالا واعيا لما هو آت،بأمن وطمأنينة وسلام واستبعاد نفسي وواقعي للآفات والويلات...

كما أن هذه السيرة ليست سيرة شخص متميز أو يريد أن يتميز في الطريق ،حيث لا تميز إلا بواسطة شيخنا وأستاذنا المأذون والآذن لمن يحب أو يؤهل،وإنما هي نقطة عرفان بالجميل و نموذج مستنسخ من عدة صور مشتركة بين المريدين قد تختلف من حيث الشكل ولكنها تتحد ضرورة من حيث الجوهر ،وهذا هو الهدف والنتيجة والغاية في منهج الشيخ وتوجيه القلوب ،من غير محاباة ولا محسوبية، إلى الله تعالى حيث ما ثم إلا هو "وأن إلى ربك المنتهى". 

من هنا ،فلقد حاول هذا العبد ،الفقير والمقصر ، في هذا المؤلف الذي يشبه الحَكِيّ أن يقفز على المواقف وأختزل المراحل،رغم استعصائها على هذا الإجراء لزخمها وكثافتها و تشعبها.

مبتغيا بذلك المزج بين السرد الأدبي المحض في بعض الأحيان،ومنتقلا بين الفينة والأخرى إلى التحليل العلمي السريع كاغتنام لفرصة التوضيح والتوصيل والتدليل.

في حين قد يبدو فيه نوع تكرار بعض ما سبق وعرضناه في كتبنا السابقة وخاصة:"الطريقة القادرية البودشيشية:شيخ ومنهج تربية"،لكنه ترداد متميز أسلوبا وموضوعا،يؤكد صدق ما قلناه سابقا،ويدعم دعوانا في ثبات منهج ومسلك الطريقة أقوالا وأعمالا وأحوالا...

فجاء العرض لهذه الرحلة اللامتناهية في عالم الروح والعرفان على شكل وقوف عند محطات متميزة ودقيقة،وبالتالي مستندة على مرجعيات وخلفيات قد كانت قبل مولد الأشباح وتمحورت عند مولد الأرواح ثم استرسلت وستستمر إلى ما لانهاية من غير انقطاع ولا نفاد في سلك السعادة الأبدية:"وأن إلى ربك المنتهى".

من هنا فقد اختصرت الرحلة في العناصر التالية بحسب مراحل الرهان لا بحسب العمر وتلون الزمان،وهي:

المحطة الأولى : الطفولة وممهدات التجربة الصوفية 
المحطة الثانية : النداء الروحي للطريقة في إيقاظ شوق الحقيقة
المحطة الثالثة : سيدي حمزة والمبادرة المؤثرة بالزيارة المثمرة
المحطة الرابعة : مسلك التخصيص لتفعيل مواهب العلم والتمحيص
المحطة الخامسة : الوراثـة المحمدية والتـكامل الـتربـوي 
الخاتمة
           والله ولي المتقين


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: