-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح أنوار السرائر وسرائر الأنوار -3

وَلنَرجعْ إلى ما كنَّا بصدده فنقول والله المستعان وعليه التكلان : لمَّا أمعنتُ النظر في هذه القصيدة وجدته قد بنى الطريقة على ثلاثة أركان وهي : التوبة والزهد ودوام العمل لله ظاهراً وباطناً، وأمَّا الشيخ فهو شرط في إيقاع ذلك على ما ينبغي ووصول المقصد في أسرع زمان وعلى أكمل وجه كما هو شيخ الركب في الحس لا تنظر لتحمل الماهية بدونه، وسيأتي الكلام على الشيخ أين يكون شرط وجوب وشرط كمال، وجعلَ أيضاً للتوبة مقدمات وهي الزَّاجر والانتباه واليقظة ومتممات وهي المجاهدة والمحاسبة والمراقبة، وأمَّا الورع فهي عنده مصحح للتوبة لمقدماتها ومتماتها على ما سيأتي. 

وقد أخد هذا المعنى كله من عوارف المعارف، إلاّ أنَّ صاحب عوارف المعارف لم يذكر الورع لأنه أخد المجاهدة عامَّةً فدخل فيها ما ذكر الناظم أول الورع وغبره من المراقبة والرعاية، والناظم ذكر فيها ما يلقى المريد في أوّل أمره، ثم درجه للمحاسبة ثمَّ وجَّه في المراقبة ثمَّ ذكر باقي ذلك في الورع، أمّا أخده لما بنى عليه الطريق من العوارف فقال فيها التوبة أصل كل مقام، وقوام كل مفتاح، ومفتاح كل حال، وهي أول المقامات وهي بمثابة الأرض للبناء، فمَن لا أرض له لا بناء له، ومن لا توبة له لا حلال له ولا مقام، وإني بمَبْلغ علمي وقدر وسعي وجهدي اعتبرتُ المقامات والأحوال وثمراتها فرأيتها يجمعها ثلاثة أشياء بعد صحَّة الإيمان وعقوده وشروطه فصارت مع الإيمان أربعة، ثمَّ رأيتها في إفادة الولادة المعنوية الحقيقية بمثابة الطَّبائع الأربعة التي جعلها الله بإجراء سنته مفيدة للولادة الطبيعية، ومن تحقَّق بحقائق هذه الأربعة يلج ملكوت السموات ويكاشف بالقدر والآيات ويصير له ذوقاً وفهم كلمات الله المنزلات، ويحظى بجميع الأحوال والمقامات فكلها من هذه الأربع ظهرت وبها تهيّأت وتأكّدت أعني الثلاث بعد الإيمان التوبة النَّصوح، والثاني الزهد في الدنيا، والثالث تحقيق مقام العبودية بدوام العمل لله ظاهراً وباطناً من الأعمال القلبية والقالبية من غير فتور وقصور، ثم يستعان على إتمام هذه الأربعة بأربعة أخرى بها تمامها وقوامها، وهي قلَّةُ الكلام وقلة المنام وقلة الطعام والاعتزال عن الناس، واتفق المشايخ والعلماء الزاهدون على أنَّ هذه الأربعة بها تستقر المقامات وتستقيم الأحوال، وبها صار الأبدال أبدالاً بتأييد الله تعالى وحسنَ توفيقه، وتبيِّن بالبيان الواضح أن سائر المقامات تندرج في صحَّة هذه ومن ظفر بها ظفر بالمقامات كلها.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016