-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -10

ولقد اهتهم المتصوفة بالقول بالحلول والاتحاد، بمعنى أن الله قد حل في جميع أجزاء الكون؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ويرى الصوفية أنه لا شك أن هذا القول كفر صريح يخالف عقائد الأمة الإسلامية. فالصوفية ينفون هذه التهمة عن أنفسهم جملة وتفصيلا، ويحذرون من أن يرميهم أحد بهذه العقيدة الكفرية جزافاً دون تمحيص أو تثبيت، ومن غير أن يفهم مرادهم، ويطلع على عقائدهم الحقة التي ذكروها صريحة واضحة في أُمهات كتبهم،كالفتوحات المكية للشيخ الاكبر محي الدين بن عربي، وإحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي، والرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري الشافعي والمثنوي لجلال الدين الرومي وغيرها.

قول الشعراني: ولعمري إِذاكان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظن بأولياء الله أنّم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم، إِذ ما ِمن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنّها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط. 

وقال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الوسطى: اعلم أن الله واحد با ِلإجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو حد في شيء.

وقال في باب الأسرار: لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه، إِنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل.

قال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد: حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعتُ، بالشيخ أبي العباس المرسي - تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي - وفاوضته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإنكار عليهم، والنهي عن طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع؟ وقال أبو حامد الغزالي: وأما القسم الرابع وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات...فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال...فأصل الاتحاد إذا باطل... وأما القسم الخامس وهو الحلول فذلك يتصور أن يقال أن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين. 

وقال الإمام أحمد بن عجيبة في تفسيره البحر المديد: واعلم أن ذات الحق جل جلاله عمت الوجود، فليست محصورة في مكان ولا زمان، ﴿ فأينما تُولوا فَثمّ وجهُ  الله ،1فأسرار ذاته- تعالى- سارية في كل شيء، قائمة بكل شيء،كما تقدم، فهو موجود في كل شيء، لا يخلو منه شيء، أسرار المعاني قائمة بالأواني، وإنما خص الحق تعالى السماء بالذكر؛ لأنّها مرتفعة معظمة، فناسب ذكر العظيم فيها، وعلى هذا تُحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد، إذ ليس في الوجود إلاّ تجليات الحق ومظاهر ذاته وصفاته،كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ماكان عليه، فما مثال الكون إلا كجبريل حي يتطور على صورة دحية، غير أن رداء الكبرياء منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه، وهو ما ظهر من حسن الكائنات، وما تلونت به الخمرة من أوصاف العبودية. ولا يفهم هذا إلا أهل الذو السليم. وبالله التوفيق.

وأما ما ورد من كلام الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهره الحلول والاتحاد، فيقولون إنه إما مدسوس عليهم، بدليل ما سبق من صريح كلامهم في نفي هذه العقيدة. وإِما أنّم لم يقصدوا به القول بهذه الفكرة والنحلة، ولكن بعض منتقديهم حملوا المتشابه من كلامهم على هذا الفهم، ورموهم بالزندقة والكفر. أما غيرهم فقد فهموا كلامهم على معناه الموافق لعقيدة أهل السنة والجماعة، وأدركوا تأويله بما يناسب ما عرف عن الصوفية.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016