نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

  1. أسال الله العظيم لكم دوام التوفيق

    ردحذف
  2. اللهم آمين يا رب العالمين.
    بارك الله فيكم

    ردحذف

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -32

فلسفة التصوف بين الجمال والجلال :


إن الإسلام في روحه دعوة إلى التدبر والتفكر من أجل الوصول إلى المعرفة، والغاية من الحياة التعبدية الروحية هي معرفة الله جل تعالى، يقول الغزالي:« والأصل هو معرفة الله تعالى وسلوك الطريق إليه، وهذه المعرفة من شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية بذكر الله تعالى، وآخرها الفناء بالكلية في الله ، وذلك يتمظهر في حالة الرغبة الروحية المنبثقة عن هذا التدبر وما يفيضه من جمال وجلال. وتعُّد ثنائية الجمال والجلال المحرك الأساس لطريق السلوك الصوفي، وما يفيضه من فهم ومعرفة وحب لله تعالى، يقول ابن الفارض :

زِدْني بفَرْطِ الحُبّ فيك تَحَيّرا    وارْحَمْ حشىً بلَظَى هواكَ تسعّرا
ولقد خَلَوْتُ مع الحَبيب وبَيْنَنَا    سِرٌّ أرَقّ منَ النسيمِ إذا سرى
فَدُهِشْتُ بينَ جمالِهِ وجَلالِهِ      وغدا لسانُ الحال عنّي مُخْبِرا
فأَدِرْ لِحَاظَكَ في محاسنِ وجْهه  تَلْقَى جميعَ الحُسْنِ فيه مُصَوَّرا

ويقول ابن عربي :

إن اﻟﺠﻠﻴﻞ ﻟﻪ اﻟﺠﻼل اﻷﻋﻈــﻢ        واﻟﺠﻮد واﻟﻜﺮم اﻟﻌﻤﻴﻢ اﻷﻓﺨﻢ
وهو اﻟﺬي ﺳﺒﻖ اﻟﺠﻤﺎل ﻧﻔﺎﺳﺔ         ﻓﻠــﻪ اﻟﺘﻘــﺪم واﻟﻤﻘــﺎم اﻷﻗــﺪم.
ﻳﺒﺪو ﻓﻴﻈﻬﺮﻩ ﺟﻤــﺎل وﺟــﻮدﻩ        ﻳﻌﻠﻮ ﻓﻴﺤﺠﺒﻪ اﻟﺠــﻼل اﻟﻤﻌﻠــﻢ.
ﻓﺎﻧﻈﺮ إﻟﻴﻪ ﻣﻦ وراء ﺣﺠﺎﺑــﻪ            تحظى به إن كنت ممن يفهم

فالجلال في نظر ابن عربي له السبق والصدارة، وهو متقدم نفاسة على الجمال، ولكن الحق لا يظهر في جلاله قط، نظراً لسُبحات وجهه المحرقة، بل يتجلى وجوده لعباده فيشهدونه من وراء حجاب الجلال المغموس في جماله، فالجلال مهيب والجلال مخيف.

جاء في كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي «ورد أن لفظ الجمال بمعنى الحسن وما اشتق منه، ذلك أن الجمال يستعمل في موضع الحسن فيقال: وجه جميل ووجه حسن و أن فلانا حسن أو جميل ولا تراد صورته، و إنما يعني جميل الأخلاق ».

ويتجلّى لنا من خلال ذلك أن لفظة الجمال من الجانب الإسلامي تعني حسن الشيء أو الخلق أو ما اتّصف بالصفات الحسنة ومنه قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}.[السجدة:7]

واقترنت لفظة الجمال بمعنى الخلق في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}.[النحل:6]

ومن ثم يتضح لنا مفهوم الجمال في القرآن الكريم بمعنى الشيء الظاهر للعيان والمثير للإحساس، والذات الإنسانية تجد في خالقها ما يرضيها ويجتذبها إليه ويحسن إليها، والفلاسفة القدماء تعرضوا في نظرياتهم الشعرية إلى فن الشعر الموسيقي كأرسطو وسقراط وأفلطون، حيث أضافوا فيها نظرية المحاكاة اليونانية إضافات مهمة إلا أنهم لم ينصرفوا إلى نظرية الجمال عند العرب.

ونطالع في كتاب إخوان الصفا وخلان الوفاء " أن المهارة في أي عمل – ما هي إلا محاولة التشبه بالخالق الكريم".
ونحاول عرض مفهوم الجمال عند مفكري وعلماء الإسلام الذين أعطوا مفاهيم مختلفة وتصورات للجمال، حيث ذهب كريب رمضان إلى أن الجمال لم يبلور في نظرية عند العرب ولم يتخذ أبعادا حقيقية من شأنه أن تجليه وتعمقه، فقد ظل مفهوما بسيطا، إذا لم نقل ساذجا، أما جهود الفلاسفة في دراسة نظرية المحاكاة وإضافاتهم فتكاد تكون شروحا وهوامش لا تمس جوهر الأشياء إلا في النادر.

وأبو حامد لغزالي يؤكد تفاعل الحواس مع القلب والعقل بقوله:" يدرك الجمال الحسي بالبصر والسمع وسائر الحواس أما الجمال الأسمى فيدرك بالعقل والقلب أما إن كان الجمال يتناسب مع الخلقة وصفاء اللون فإنه يدرك بحاسة البصر، وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو المرتبة، وحسن الصفات والأخلاق، وإرادة الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام فيدرك بحاسة القلب" .ويرى أن القلب أشهد إدراكا من العين، فالقلب يدرك الأمور الشريفة الإلهية وأن المثل الأعلى للجمال هو الله، وجمال الله سبحانه أكمل الجمال.

فالملاحظ أن إدراك الجمال عند أبي حامد الغزالي يتجلّى عن طريق الحواس، إذا ارتقى يدرك عن طريق القلب وإذا اشتمل على عناصر موضوعية يدرك عن طريق العقل.

أما تصور الفارابي للجمال فيتجلى من خلال قوله: « الجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل، ويبلغ استكماله الأخير، وإذا كان الأول وجوده أفضل الوجود فجماله إذن فائق الجمال كل ذي جمال، وكذلك زينته وبهاؤه وجماله بجوهره وذاته وذلك في نفسه وبما يعقله من ذاته».

فالفارابي يوضح بإجلال بأن الخالق هو الأول وجماله فو كل جمال وهو لا يمايز بين لفظ الجمال والبهاء والزينة فالك هل في نظره واحد.

والغزالي يؤكد « أن لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات الله وإلا آثار من آثاركرمه، وغرفة من بحر جوده، سواء أُدرك هذا الجمال بالعقول أو بالحواس، وجماله تعالى لا يتصور له ثان، لا في المكان ولا في الوجود».

وهذا القول يلتقي مع ما جاء به القديس أوغسطين في قوله:« أن الله هو الفنان العظيم الذي يعطي الشكل والجمال والنظام كل شيء بحسب قوانينه الخاصة إن الله حقيقة كل جمال بل أعظمه».

فجمال الله في نظر هؤلاء جمال نقي صافي، ولا تصور له، وأن الله هو الذي يعطي الشكل والنظام، والجمال.

إن فلسفة الصوفية المسلمين رأت أن الإنسان في إمكانه أن يتقرب إلى الله روحيا عن طريق الحياة المتقشفة والنسك وتنقية الروح من كل الشوائب الدنيوية، وتقرب الإنسان من الله تقربا يجعله يعرف الجمال الأصيل المتمثل بالجمال الأعلى معرفة حقا، ويكتشف أن جمال العالم المادي ما هو إلا انعكاس للجمال الإلهي.


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق