نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -33


أما فيما يخص بالجلال فقد جاء في لسان العرب في مادة (جلال) الله الجليل سبحانه ذو الجلال والإكرام، جل جلال الله، وجلال الله: عظمته، ولا يقال الجلال إلاّ لله. والجليل: من صفات الله تقدس وتعالى، وقد يوصف به الأمر العظيم، والرجل ذو القدر الخطير، وفلان يجِل بالكسر جلالة، أي عظُم قدره فهو جليل.

كما أن الجلال في الاصطلحات الصوفية يعني النعت الإلهي الذي يُعطي في القلوب هيبة وتعظيماً، ومن حضرة الجلال ظهرت الألوهة وعجز الخلق عن المعرفة بها ،قال تعالى:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[الشورى:11] ،وقوله أيضاً : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[الصافات:180]،والجلال والعظمة يورثان الخوف المقلق والوجل المزعج والغلبة العظيمة على القلب بما يظهر على الجوارح.

يقول صاحب كتاب الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي :« اعلم أن جلال الله تعالى عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته ،كما هي عليه على الإجمال ،وأما على التفصيل فإن الجلال عبارة عن صفات العظمة والكبرياء والمجد والثناء ، وكل جمال له فإنه حيث يشتد ظهوره يُسمى جلالاً، كما أن كل جلال له في بادئ ظهوره على الخلق يُسمى جمالاً ،ومن هنا قال من قال : "أن لكل جمال جلال ،ولكل جلال جمالاً".

والمعرفة عند أهل التصوف موطنها القلب؛ الذي امتلأ بالله فرحاً وسروراً ويقيناً فانشرح الصدر وصارت الآخرة له كالمعاينة، ولاحظ الملكوت بعين الفؤاد في فسحة ذلك النور المشرق في الصدر، فتجلى له شأناً عجيباً من عظمة الله وجلاله وجماله، وكلما امتلأ القلب بالحب زادت المعرفة، وعندئذ لا تغدو للعلوم الأخرى أي أهمية لدى الصوفية، فتجليات العرفانية حاضرة قريبة متحققة في ذوات العارفين، يُناجونه بقلوبهم، وبحضور ووجد في اتصال وديمومة وأنس وقرب، وتلك لذة ما بعدها لذة وذوق لا مثيل له ، يقول الشبلي:

فلما رآني الوجد أنك حاضري      شهدتك موجودا ً بكل مكانِ
فخاطبت موجودا بغير تكلم         ولاحظت معلوما بغير عيان

ويقول الجنيد:

وتحققت في سري فناجاك لساني      فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعاني
إن يكن عيبك التعظيم عن لحظ غيابي      فلقد صيَّرك الوجد من الأحشاء داني

إذاكانت الذات الإلهية هي المثل الأعلى للجلال عامة، فإن الإنسان الكامل هو المثل الأعلى للجلال الإنساني خاصة. فإليه ينبغي أن تتوجه أنظار البشر، للتخلص مما يشوبهم من تفاهة ومحدودية، وهم في سجن المحسوسات. فهو المعيار الذي ينبغي عليهم أن يقيِّموا به وجودهم القيمي، وأن يقوموه أيضا. وإلا فإن التفاهة سوف تشمل السيرورة الإنسانية عامة.
ومن المعلوم أن الفكر الجمالي العربي الإسلامي يذهب إلى تحديد الجلال بأنه الكمال المتصف بالعظمة والمجد، من حيث السمات الموضوعية. وإذا ما نظرنا إلى الإنسان الكامل، من منظور هذا التحديد. فإن كونه جليلً يبدو أمًرا بديهيًا لا مشاحة فيه. حيث اتصف بالكمال، في أعلى مستوياته، واتصف كماله أيضا بأعلى مستويات العظمة والمجد والكبرياء، على الصعيد الإنساني.

يقول ابن عربي في ذلك: لم يبق في الإمكان شيء إلا أُوِدع فيه في أول منشئه ومبانيه حتى على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال.

والنتيجة العامة التي نستخلصها من النصوص السابقة هو أن نظرة الفلاسفة المسلمين للجمال والجلال تمثل موقفا دينيا، والجمال والجلال عندهم يدركان بالحواس ويقعان في المحسوسات، والجمال والجلال يشاهدان بالعين ويدركان بالعقل والقلب، والفلاسفة المسلمون يدعون إلى السمو والرفعة عن الأشياء المادية والتعلق بما هو أعلى وأعظم وهو الواحد الأحد الأزلي، ويتجردون من كل ماله علاقة بالمادة أو ملذات الحياة الدنيوية.

ومن هنا تظهر أوجه التشابه بي الفلسفة الإسلامية الصوفية والفلسفة الأفلاطونية اليونانية في فهم الجمال والجلال التي ترى أنّهما انعكاس للجمال والجلال الإلهي، فهم يركزون على الجانب الحسي في فهم الأشياء وتأويلها إلى خالقها كما كان يراها أفلطون وغيره.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق