نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الخطاب الرّوحي في الأدب الصوفي -34

2 - عند المستشرقين :


اتسمت الأفكار في الكتابة الصوفية عند المستشرقين– وبالأخص تلك المستمدة من الدوافع الدينية من خلال الدراسة بدراسات دينية لاهوتية، بدوافع كنسية، قام بها نُساكهم منذ العصور الوسطى إلى يومنا هذا، جاهدين في تثبيت أثر الأفكار المسيحية في الدين الإسلامي ، ومن أبرزهم:

1 - رامول لول (Ramon Lull) [1232م-1316م]


وهو من فلاسفة القرون الوسطى، وأحد الصوفيين المسيحيين الكبار في أوربا ، نظم الشعر على طريقة شعراء التروبادور البروفنسيين، وألف كتباً ورسائل للدفاع عن النصرانية بالبراهين والحجج، كما استخدم في طريقته العناصر الإسلامية لمجادلة المسلمين ،ويعهد كتابه (الكافر والعارفون الثلاثة ) ،1محاولة لإبراز الحقائق المشتركة بين الأديان ،وأنّها تصب في توحيد الله ، وفي  هذا الكتاب يستعرض حواراً دار بين رجل كافر وثلاثة علماء أحدهم مسيحي والآخر يهودي والثالث مسلم ،مبرزاً في ختام كتابه الدعوة إلى التسامح الديني، والابتعاد عن التشدد والقوة ،لفرض الأفكار ،وقدكان رامول واسع الاطّلاع على مبادئ الإسلام وعادات المسلمين،1كما درس لول الفلسفة الإسلامية واطّلع على آثار الفارابي والغزالي ؛الذي ترجم له رسالته الشهيرة (مقاصد الفلسفة) باللغة الكتالانية، وقد تأثر رامول بالغزالي في نبذ الفلسفة العقلانية وهو لا يرى للعقل دوراً في حب الله ومعرفة الحقيقة لا تكون إلا بالإيمان في نظره ، كما انتقد الفلاسفة الذين قالوا بأزلية الكون وقدمه.

2 - نولد ألن نيكلسون (Nicholson) [1868-1945]


ويعد هذا المستشرق الانجليزي حجة في التصوف، واختص في الدراسات الإسلامية، وكان إنتاجه العلمي غزيراً، وقد حقق ديوان جلال الدين الرومي؛ الشاعر الصوفي الفارسي، وكتاب اللمع لأبي نصر السراج ،ونشر العديد من المقالات عن الصوفية ،وأهم كتبه (الصوفية في الإسلام)؛الذي أكد فيه أن التصوف ينحدر من جذور مسيحية ،وشرح فيه حالة الاتحاد مع الله عند الصوفية ،كما تحدث عن الحلاج ورأى في قتله دوافع سياسية ،وهذا المنهج الذي سلكه نيكلسون في التصوف عند الغرب تبعه فيه الكثير من الباحثين الغربيين في هذا المجال.

3 - لويس ماسنيون ( Massignon) [1962-1883]

وهو مستشر فرنسي، دخل جامعة باريس ونال جائزة الآداب في الفلسفة سنة 1907م، قرأ أشعار فريد الدين العطار؛ الشاعر الفارسي الصوفي، ونالت إعجابه حتى خصص له دراسات وأبحاث قيمة، ومن أشهر ما كتب (آلام الحلاج)، وكان في منهجه ودراسته الصوفية الروحية مدفوعاً إلى تجاوز الحدود لكي تلمس المعرفة عنده مجال ما هو مقدس، وهو يرى أن جوه التصوف عاشت وماتت متأثرة بالمسيحية .

4 - نري كوربان (Henery corbin) [1903-1978]


ينحدر من أسرة بروتستانتية في مقاطعة نورماندي بشمال فرنسا ،وأتقن اللاتنية والألمانية واليونانية، درس الفلسفة في السوربون،كما اهتم كوربان بتاريخ الشيعة الاثني عشرية ،والتصوف الإسلامي ،وله كتاب في الإسلام الشيعي وإيران، واتسم منهجه في هذا الكتاب بالموضوعية والإجادة في تاريخ الشيعة الإيرانية، وأثرها في نشأة التصوف الإسلامي ، وكان الأفق الروحاني واضحاً في هذا الكتاب ؛فهو يصف معركة الشيعة الروحية والزعماء الروحانيون ،كما يعد التصوف عنده ثماراً لرسالة النبي الروحانية ، وجهدا مستمراً لعيش أنماط الوحي القرآني عيشاً شخصياً عن طريق الاستبطان.

6 - أنا ماري شيمل(2Anne marie Schimme)[2003-1922]


هي مستشرقة ألمانية،كرست جهودها لدراسة التصوف الإسلامي، ويعد كتابها (الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف) نموذجاً لذلك، حيث وضعت فيه الخطوط الأساسية لتطور ونشأة حركة التصوف في المشرق ،ويوشك أن يكون منهجها موضوعيها في وصف الإطار التاريخي للتصوف لاعتمادها على مؤلفات أقطاب الصوفية، وكانت ترى بأن الحوار هو الطريق الوحيد لخدمة الحرية والتفاهم ،وإزالة البغضاء والحقد والعنف، وتنظر إلى أن الإسلام دين سمح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وهي من دعاة الحوار بين الأديان والحضارات.

7 - باروخا سبينوز(Baruch Spinoza)[1677-1632]


ولد في أمستردام، من أسرة يهودية هاجرت إلى هولندا من إسبانيا ،فراراً مم اكان اليهود يلقونه فيها من اضطهاد على يد الكاتوليك بعد سقوط الحكم الإسلمي فيها ،ذلك الحكم الذي كان يوفر لهم الحماية والأمان ،فل هما سقطت غرناطة سنة 1492 تعرض اليهود لما تعرض له المسلمون من بطش وتنكيل ،ومحاكم التفتيش الرهيبة، ولم يكن يؤمن بالتثليث النصراني ،كما رفض كثيرا من تحريفات اليهود للتوراة ،واعتبر التوراة الحالية تأليفاً إنسانيا وليست وحياً ،لذلك اتهم بالخروج على العقيدة و ُحكم عليه بالطرد، كما رفض ادعاءات العهد الجديد(الإنجيل) في المسيح.

والمهم في هذا المقام مذهبه الفلسفي ؛ الذي يبين فيه رأيه في الصلة بين الله والطبيعة ، وقواني العالم ، وتفسيره لرأيه في الخلق وفي الوجود ، والتي فيها عناصر من فكرة وحدة الوجود عند ابن عربي، وينطلق في منهجه من ثلثة اصطلحات محورية هي : الجوهر ، الصفة ، العرض؛ فالله هو الجوهر وهو واجب الوجود بذاته ، ولا يحتاج إلى شيء آخر، أما الصفة فهي التي يدرك العقل عن طريقها الجوهر، لأن الصفة تحدد طبيعة الجوهر، وأما العرض فعن طريقه يمكن إدراك مشاعر وعواطف الجوهر، وبعبارة أخرى فهو ما يكون في الشيء ويمكن إدراكه من خلاله.

إنّها الحقيقة الكونية الوجودية التي لازمت الوجود الإنساني ذاتا وتصورا وواقعا دون إلقاء أدنى التفاتة إلى ما له علاقة بما يرتكز عليه هذا الوجود الإنساني من خلفية أو مرجعية وهلم جرا. ولعل المتمعن في ما سار بين الوجود الإنساني وعالم الخلق يدرك هذا التقارب والتجاور والتشارك بين الوجود الإنساني قاطبة، والجامع بين هذا العالم الوجودي الكوني في عالم البشر هو تلكم الروح التي لن ولن يستطيع أي مخلوق في عالم الكون أن يتحكم فيها أو يقيدها أو يصنع فيها ما يريد؛ فهي من خالق البشرية خرجت منه لتعود إليه من جديد.

غير أن هذا السر الرباني الذي بثه الله تعالى في عالم الوجود الإنساني جعل له من الأسرار والنواميس في عالم الكون والوجود ما يؤهله سلفا أن يتعامل مع عالم الأشياء وفق هذا المعطى الكوني الوجودي؛ فحدث حينها ذلكم الاختلاف الذي أدى فيما بعد أن راحت الروح في علقتها بعالم الجسد تتوقف عند قضايا وحقائق لربّما أبعدها عما خلقت من أجله.

مثل هذا التصور هو الذي جعل التصوف العربي الإسلامي ينماز عما سُمي بالتصوف الغربي في سياقاته الدينية والعقائدية التي حاولنا الإشارة إليه سابقا في هذا الفصل؛ ذلك أن التصور العربي يرتكز على تصور ديني قائم على واقع الوحي القرآني وما نطق به نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام وما جاء على لسان بعض الخلق مما رزقهم الله تعالى نورا من نوره، على خلف التصوف الآخر الغربي الذي كان منطلقه في الغالب تلكم الفلسفات والديانات والطقوس وغيرها التي جعلت الإنسان في كثير من المقامات التاريخية يعيش لحظات وجودية كونية قلقة وغير مستقرة، روحا وقلبا ونفسا وعقل وواقعا، إن التجاور الذي حدث بين الحضارتين، الغربية والعربية الإسلامية ،وذلك التبادل الثقافي والعلمي الإنساني، كان من الطبيعي أن ينتج عنه تأثير وتأثر بين علماء الحضارتين، لأن المعارف الإنسانية في حقيقتها هي ملك للبشر، يفيدون بها ويستفيدون، ويوظفونّا في صالح سعادة البشرية ،من أجل إجلاء الحقائق الكونية وإيضاح سبل الوصول إليها عن طريق الحوار والإقناع والتبادل في إطار الاحترام البشري الإنساني.

ذلكم هو الخطاب الصوفي الذي حاول المتصوفة أن يجعلوه يسير وفق شمولية استغراقية تستغرق الزمان والمكان وفق تلكم النواميس السائرة مع طبيعة الوجود والكون الملزم لعالم الحقيقة المطلقة؛ فأصبح الخطاب الصوفي ينماز عن غيره من الخطابات بهذه الصفة التي غالبا ما يطلق عليها بالروح أو الباطن أو ما وراء الحقائق والأذهان، وعليه ما ميزة الخطاب الصوفي؟ ما أهم المحطات الأساسية التي تناولها الخطاب الصوفي في عالم المعرفة؟ أين يلتقي الخطاب الصوفي كحقيقة معرفية وجودية قائمة في الذات مع ما سمي بالأدب الصوفي؟ هذا ما سنتوقف عنده في الفصل الثاني بشيء من التحليل والبيان محاولين أن نشير إلى أهم المحطات أو المفاهيم الهتي عالجها الخطاب الصوفي؛ أدبا وفلسفة وجمالا وذلك وفق ما يتماشى مع طبيعة إشكالية البحث لا غير، تناولها الخطاب الصوفي في عالم المعرفة؟ أين يلتقي الخطاب الصوفي كحقيقة.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق