نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

شرح منازل السائرين عبد الرزاق القاشاني -27


فَصْلٌ‏:‏ ‏[‏اعْتِصَامُ الْخَاصَّةِ‏]‏


قَالَ‏:‏ 

وَاعْتِصَامُ الْخَاصَّةِ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُوَ صَوْنُ الْإِرَادَةِ قَبْضًا، وَإِسْبَالُ الْخُلُقِ عَلَى الْخَلْقِ بَسْطًا، وَرَفْضُ الْعَلَائِقِ عَزْمًا، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى‏.‏


وهذه الدرجة الثانيّة الخاصّة وهم المتوسطون.

والمراد بالانقطاع هو الإعراض عن الأمور الثلاثة التي ذكرها؛ أعني الإرادة المتعلِّقة بالغير، وحظّ النفس، والعلائق. وعبَّر عن الأوّل ب"صونِ الإرادة قبضًا" أي حِفظِها من أن تتعلّق بشيء ممّا سوى الله بقبضها ومنعها عن التعلُّق بشيء، حتى تفنى في إرادة الله تعالى، فلا تبقى له إرادة. وفي هذا المعنى ما قال أبو يزيد البسطامي قدّس الله روحه حين قيل له : "ما تريد ؟ عند طلبه لهذا المقام، فقال : "أُريد أن لا أريد" وهو مقام الرضا.

وعن الثاني ب"إسبال الخُلق على الخَلق بسطًا" وهو أن ينبسط بخُلقه مع الخامل والنبيه، وينقطع عن حظِّ نفسه بالتواضع لهم و"إسبال الرداء" إرخاؤه.

و"البسط" التوسُّع. وهذه استعارة لحُسن الخُلق؛ فإن حقيقة التصوُّف حُسن الخُلق. وبسط الخُلق هوز بشاشة الوجه وطلاقته لعباد الله تعالى وقبضه : عبوس الوجه.

ووصّى الخضرُ عيسى عليهما السلام فقال : "كُنْ بشَّاشًا ولا تكن عبَّاسًا، وكُنْ نَفَّاعًا ولا تكُن ضَرَّارًا".

وفي الجملة عنوان العرفان مكارم الأخلاق وفضائلها؛ ويدخل فيها تحمُّلُ الأذى وكفُّه عن الناس، وإيصال الرَّوْحِ والرَّاحة والفرح إليهم وإيثار الخَلق على نفسه بالحظوظ، كما قال تعالى : {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر:9].

وقال عيسى عليه السلام : "من لطمكَ علَى خَدِّكَ فَأَدِر لَهُ الخدَّ الآخر. ومَن أخدَ قميصَكَ فزِدهُ دعاءَكَ. ومَن سخَّركَ ميْلًا فامْضِ معهُ مَيْلَيْنِ".

وعن الثالث ب"رفض العلائق عزمًا" أي عزيمة جازمة مصمّمة، لا سبيل إلى نقضها، بحيث لم تبق له علاقة في ظاهره ولا في باطنه.

والأصل قطع علاقة الباطن عن كل ما سوى الحقِّ تعالى، حتّى يصحَّ الاعتصام بالله توحيدًا؛ وهو "التمَسُّكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى"؛ كما ذكره. قال الله تعالى : {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}[البقرة:256]. و"الطاغوت"كلُّ ما يتعلَّق القلب به سوى الله تعالى.

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق