recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس - ابن عطاء الله السكندري - (1)

أيها الناس توبوا إلى الله جميعا

أيها العبد اطلب التوبة من الله تعالى في كل وقت فإن الله تعالى قد ندبك إليها فقال تعالى : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إني ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) فإن أردتم التوبة فينبغي لك أن لا تخلو من التفكر طول عمرك فتفكر فيما صنعت في نهارك ، فإن وجدت طاعة فاشكر الله عليها ، وإن وجدت معصية فوَبِّخْ نَفسَك على ذلك واستغفر الله وتب إليه فإنه لا مجلس مع الله أنفع لك من مجلس تُوبِّخ فيه نفسك ، ولا توبخها وأنت ضاحك فرح ، بل وبّخها وأنت مجد صادق ، مُظهز للعبوسة ، حزين القلب ، منكسر ذليل. فإن فعلت ذلك أبدلك الله بالحزن فرحا ، وبالذل عزًّا ، وبالظلمة نورا ، وبالحجاب كشفاً .

وعن الشيخ مكين الأسمر رحمه الله تعالى وكان من السبعة الأبدال قال : "كنت فى ابتداء أمرى أخيط واتقوت من ذلك ، وكنت أعد كلامى بالنهار فإذا جاء الليل حاسبت نفسى ، فأجد كلامى قليلا ، فما وجدت من خير حمدت الله وشكرته عليه ، وما وجدت فيه غير من ذلك تبت إلى الله واستغفرته" إلى أن صار بدلا رضى الله عنه .

واعلم أنه إذا كان لك وكيل يحاسب نفسه ويحاققها فأنت لاتحاسبه لمحاسبة نفسه ، وإن كان وكيلا غير محاقق نفسه فأنت تحاسبه وتحاققه وتبالغ فى محاسبته ، فعلى هذا ينبغى أن يكون عملك كله لله تعالى ، ولا ترى أنك تفعل فعلا والله تعالى لايحاسبك به ولا يحاقُكَ ، وإذا وقع من العبد ذنب وقع منه ظلمة ، فمثال المعصية كالنار والظلمة دخانها ، كمن أوقد فى بيت سبعين سنة ألا تراه يسود ؟ كذلك القلب يسود بالمعصية فلا يطهر إلا بالتوبة إلى الله ، فصار الذل والظلمة والحجاب مقارنة للمعصية ، وإذا تبت إلى الله تعالى زالت آثار الذنوب ، ولا يدخل عليك الإهمال إلا بإهمالك متابعة النبى صلى الله عليه وسلم.

أقسام المتابعة


والمتابعة له عليه السلام على قسمين : جلية، وخفية.
فالجلية : كالصلاة والصيام ، والحج والجهاد ، وغير ذلك .
والخفية : أن تعقد الجمع فى صلاتك والتدبر فى قراءتك ، فإذا فعلت الطاعة كالصلاة والقراءة ولم تجد فيها جمعا ولا تدبرا ، فاعلم أن بك مرضا باطنا من كبر أو عجب أو غير ذلك ، قال الله تعالى :(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) فيكون مثلك كالمحموم الذى يجد فى فمه السكر مُرّاً، فالمعصية مع الإفتقار خير من الطاعة مع العجب والإستكبار ، قال الله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : "فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي".

فمفهوم هذا أن من لم يتبعه ليس منه ؛ وقال تعالى حكاية عن نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : "إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي"فأجابه سبحانه وتعالى :"قَالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ" فالمتابعة تجعل التابع كأنه جزء من المتبوع وإن كان أجنبيا كسلمان الفارسى رضى الله تعالى عنه لقوله صلى الله عليه وسلم"سلمان منا أهل البيت"ومعلوم أن سلمان من فارس ولكن بالمتابعة قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك تعليما ؛ فكما أن المتابعة تثبت الإتصال كذلك عدمها يثبت الإنفصال.

وقد جمع الله الخير كله فى بيت وجعل مفتاحه متابعة النبى صلى الله عليه وآله وسلم فتابعه بالقناعة بما رزقك الله تعالى والزهد والتقلل من الذنيا وترك ما لا يعنى من قول وفعل ، فمن فتح له باب المتابعة فذلك دليل على محبة الله تعالى له ، قال تعالى : "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" الآية ، وإذا طلبت الخير كله فقل :" اللهم إني أسألك المتابعة لرسولك صلى الله عليه وآله وسلم في الأقوال والأفعال" ، ومن أراد ذلك فعليه بعدم الظلم لعباد الله في أعراضهم وأنسابهم فلو سلموا من ظلم بعضهم بعضا لانطلقوا إلى الله ولكنهم معوقون كالمدى تصيب من يطلبها .

واعلم أنك لو كنت مخصصا عند الملك مقربا منه وجاء من يطلب بدين وضيق عليك ، ولو كان قدرا يسيرا ، فكيف بك إذا جئت يوم القيامة ومائة ألف إنسان أو أكثر يطلبونك بديون مختلفة من أخد مال وقذف عرض وغير ذلك ؟ فكيف يكون حالك ؟.

التائب حقًّا هو التائب من مصيبة الذنوب والشهوات التي جعلته كالشيء البالي، هذا هو المنكوب المعزَّى، ذهبت مآكله وشهواته ملأ بها المرحاض وأرضى بها زوجته، ويا ليتها كانت من حلال.



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016