الخميس، 14 يونيو 2018

إيقاظ الهمم في شرح الحكم (31)



(مَتَى أَعْطَاكَ أَشْهَدَكَ بِرَّهُ ، وَمَتَى مَنَعَكَ أَشْهَدَكَ قَهْرَهُ ، فَهُوَ فِى كُلِّ ذَلِكَ مُتَعَرِّفٌ إِلَيْكَ ، وَمُقْبِلٌ بِوُجُودِ لُطْفِهِ عَلَيْكَ )

من أسمائه تعالى اللطيف والرحيم ، فهو تعالى لطيف بعباده رحيم بخلقه في كل وقت وعلى كل حال ، سواء أعطاهم أو منعهم ، وسواء بسطهم أو قبضهم ، فإن أعطاهم أو بسطهم أشهدهم بره وإحسانه ، فعرفوا أنه سبحانه بار بعباده ، لطيف بخلقه ، رحيم كريم جواد محسن ، فتعظم محبتهم فيه ويكثر شوقهم واشتياقهم إليه ويكثر شكرهم فيزداد نعيمهم وفي هذا مالا مزيد عليه من البر والإحسان والجود والامتنان ، وإن منعهم أو قبضهم أشهدهم قهره وكبرياءه ، فعلموا أنه تعالى قهار كبير عظيم جليل ، فخافوا من سطوته وذابوا من خشيته وخضعوا تحت قهره ، فدامت عبادتهم وقلت ذنوبهم ومحيت مساويهم واضمحلت خطيئتهم ، فوردوا يوم القيامة خفافاً مطهرين فرحين مبهجين ، إذ لا يجمع الله على عبده خوفين ولا أمنين ، فمن أخافه في الدنيا أمنه يوم القيامة ، ومن أمنه في الدنيا فاغتر أخافه يوم القيامة . كما في الحديث . فلا تتهم ربك أيها العبد في المنع ولا في العطاء ، فإنه متى أعطاك أشهدك بره ورحمته وكرمه فعرفت بذلك أنه بر كريم رؤوف رحيم ، فتتعلق بكرمه وجوده دون غيره فتتحرر من رق الطمع ويذهب عنك الغم والجزع وتتخلق أيضاً بوصف الكرم والرحمة والإحسان ، فإن الله يحب أن يتخلق عبده بخلقه وفي الحديث : " تخلقوا بأخلاق الرحمنوقالت عائشة رضي الله عنها : "كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن " والقرآن فيه أوصاف الرحمن ، فكأنها قالت : كان خلقه خلق الرحمن ، إلا أنها احتشمت الحضرة وتأدبت مع الربوبية . ومتى منعك أو قبضك أشهدك قهره وكبرياءه فعرفت أنه قهار جبار ، فيعظم خوفك وتشتد هيبتك وحيائك منه ، فلا جرم أن الله يعظمك ويكرمك ويحفظك ويستحيي منك كما استحييت منه ، فإن الله ينزل عبده على قدر منزلته منه . وإنما يطيع العبد ربه على قدر معرفته به وخوفه منه ، فهو سبحانه في كل ذلك من إعطاء ومنع وقبض وبسط متعرف إليك ، أي طالب منك أن تعرفه بصفاته وأسمائه ، وما من إسم من أسمائه تعالى إلا اقتضى ظهور ما يطلبه ، فإسمه الكريم اقتضى الإعطاء والإحسان وهو ظاهر في خلقه ، وإسمه المانع اقتضي ظهور المنع فظهر في عباده أيضاً وإسمه المنتقم اقتضى ظهوره في قوم وجههم لمخالفته ، وإسمه القهار اقتضي ظهوره في قوم يقهرهم على ما يريد من منع أو غيره ، وظهر قهره أيضاً في عباده بالموت فهو من مقتضي إسمه القهار . وهكذا كل إسم يقتضي ظهوره في الوجود وكلها في بني آدم ، فإذا تحققت هذا في حالة الإعطاء والمنع علمت أيضاً أنه تعالى مقبل بوجود لطفه وإبراره عليك إذ هو متعرف إليك في كل شيء ومقبل عليك في كل وجه ، فاطلب أيضاً أنت معرفته في كل حال واعرف منته عليك في الجمال والجلال ، وأقبل عليه بكليتك واستسلم لقهره بروحك وبشريتك تكن عبده حقاً وهو ربك حقاً وصدقاً والله تعالى أعلم . ويؤخذ من هذه الحكمة أن المدار إنما هو على قوة الروحانية التي هي المعرفة في الجلال والجمال لا على قوة البشرية لأن بمنعه يحصل للعبد الكمال وبالله التوفيق . ثم هذا كله إنما يذوقه من يفهم عن الله كما تقدم وإليه أشار :

(إنَّما يُؤلِمُكَ المَنْعُ لِعَدَمِ فَهْمِكَ عَنِ اللهِ فيهِ)

الفهم عن الله يقتضي وجود المعرفة به ولا تكون المعرفة كاملة حتى يكون صاحبها يعرفه في الجلال والجمال ، والمنع والعطاء ، والقبض والبسط ، وأما إن كان لا يعرفه إلا في الجمال فهذه معرفة العوام : الذين هم عبيد أنفسهم فإن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون . وأيضاً من ثمرات المعرفة : التسليم والرضى لما يجري به القضاء ومن ثمرات المحبة والهوى : الصبر عند الشدائد والبلوى :
تدعى مذهب الهوى ثم تشكوا 
أي دعواك في الهوي قل لي أينا
لو وجدناك صـــــــــــــابراً لهواناً 
 لمنحنـــــــــــــــاك كل ما تتمنّى
فلا يكون المحب صادقاً في محبته ، ولا العارف صادقاً في معرفته ، حتى يستوي عنده المنع والعطاء ، والقبض والبسط ، والفقر والغنى ، والعز والذل ، والمدح والذم ، والفقد والوجد ، والحزن والفرح ، فيعرف محبوبه في الجميع . قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه : " لا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان إحداهما : الثقة بالله والأخرى : الشكر لله فيما زوي عنه مما ابتلي به غيره من الدنيا ".
وقيل لبعضهم ما الزهد عندكم ؟ قال : إذا وجدنا شكرنا ، وإذا فقدنا صبرنا فقال هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ فقال : وما الزهد عندكم أنتم ؟ قال : إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا ، فهذا هو الفهم عن الله حيث شكر حين الفقد ، فقَدْ عدَّ الفَقْد نعمة والفاقة غنى لما يجد فيها من المواهب والأسرار ، ولما يترقب بعدها من ورود الواردات والأنوار ، ولو لم يكن إلا التفرغ من الشواغل والأغيار ، وبهذا تزكوا الأحوال ، وتعظم الأعمال ، ويتأهل صاحبها للقبول والإقبال وإلا فلا عبرة بصور وجودها مع عدم قبولها كما نبه على ذلك بقوله :

(رُبَّما فَتَحَ لَكَ بابَ الطّاعَةِ وَما فَتَحَ لَكَ بابَ القَبولِ )

لا عبرة بالطاعة إذا لم يصحبها قبول ، كما لا عبرة بالسؤال حيث لم يحصل به مأمول، إذ الطاعة إنما هي وسيلة لمحبة المطاع ، وإقباله على المطيع بحيث يفتح في وجهه الباب ويرفع عن قلبه وجود الحجاب ويجلسه على بساط الأحباب ، فإذا فتح لك باب العمل وبلغت في تحصيله غاية الأمل غير أنك لم تجد له ثمرة ، ولم تذق له حلاوة من الأنس بالله والوحشة مما سواه ، ومن الغنى به والانحياش إليه والاكتفاء بعلمه والقناعة بقسمته ، فلا تغتر بذلك أيها المريد فربما فتح لك باب طاعته ، وأنهضك إلى خدمته ولم يفتح لك باب القبول ، ومنعك بها من الوصول حيث اعتمدت عليها وركنت إليها ، وأنست بها واشغلتك حلاوتها عن الترقي إلى حلاوة شهود المنعم بها ، ولذلك قال بعضهم :احذروا حلاوة الطاعات ، فإنها سموم قاتلة لأنها تقبض صاحبها في مقام الخدمة ، ويحرم من مقام المحبة وفرق كبير بين من شغله بخدمته ، وبين من اصطفاه لمحبته واجتباه لحضرته . فإجراء الذنب على العبد أحسن من مثل هذه الطاعة التي تكون سبب الحجاب كما نبه عليه بقوله :

( وَرُبَّما قَضى عَلَيْكَ بِالذَّنْبِ فَكانَ سَبَبَاً في الوُصولِ )

وذلك أن العبد إذا كان سائراً لمولاه قاصداً لوصول حضرة حبيبه ورضاه ، قد يحصل له كلل أو يصيبه ملل أو يركبه كسل ، فسلط الحق عليه ذنباً أو تغلبه نفسه فيسقط ، فإذا قام من سقطته جد في سيره ونهض من غفلته ونشط من كسله ، فلا يزال جاداً في طلب مولاه غائباً عما سواه حتى يدخل حضرته ويشاهد طلعته وهي الحضرة التي هي تجليات الحق وأسرار ذاته ومثال ذلك : رجل مسافر أصابه في الطريق نوم أو كسل فيسقط فيضربه حجر فإذا قام ذهب كسله وجد في سيره وفي الحديث : " رُب ذنب أدخل صاحبه الجنة ! قالوا كيف ذلك يارسول الله ؟ قال :لايزال تائبا فارا منه خائفا من ربه حتى يموت فيدخل الجنة " أو كما قال عليه السلام / وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم " قال صلى الله عليه وسلم في شأن الطاعة التي لم تقبل : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ , وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ " فمثل هذه الطاعة المعصية التي يصحبها الانكسار أحسن منها بكثير . كما أبان ذلك بقوله :

( مَعْصِيَةٌ أَورَثَتْ ذُلاً وافْتِقاراً خَيرٌ مِنْ طاعَةٍ أوْرَثَتْ عِزّاً وَاسْتِكْباراً )

إنما كانت المعصية التي توجب الانكسار أفضل من الطاعة التي توجب الاستكبار ، لأن المقصود من الطاعة هو : الخضوع والخشوع والانقياد والتذلل والانكسار: " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني واتصفت بأضدادها فالمعصية التي توجب هذه المعاني وتجلب هذه المحاسن أفضل منها ، إذ لا عبرة بصورة الطاعة ولا بصورة المعصية ، وإنما العبرة بما ينتج عنهما :( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم ) فثمرة الطاعة : هي الذل والانكسار وثمرة المعصية : هي القسوة والاستكبار . فإذا انقلبت الثمرات انقلبت الحقائق ، صارت الطاعة معصية ، والمعصية طاعة ، ولذلك قال المحاسبي رضي الله عنه : " إنما مراد الله سبحانه من عباده قلوبهم فإذا تكبر العالم أو العابد وتواضع الجاهل والعاصي وذل هيبة لله عز وجل وخوفاً منه فهو أطوع لله عز وجل من العالم والعابد بقلبه " . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه :" كل إساءة أدب تثمر أدباً فليست بإساءة أدب " وكان رضي الله عنه كثير الرجاء لعباد الله الغالب عليه شهود وسع الرحمة ، وكان رضي الله عنه يكرم الناس على نحو رتبتهم عند الله حتى أنه ربما يدخل عليه مطيع فلا يبالي به وربما دخل عليه عاص فأكرمه ، لأن ذلك الطائع أتى وهو متكبر بعمله وناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكثرة معصيته وذلته ومخالفته . قاله المصنف في لطائفه . وقال أبو يزيد رضي الله عنه : نوديت في سري : خزائني مملوءة بالخدمة فإن أردتنا فعليك بالذلة والافتقار وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "  لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العُجْب العُجْب " كذا في الصحيحين وقال عليه السلام : " لولا أن الذنب خير من العجب ما خلا الله بين مؤمن وذنب أبداً " وقال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه : " انكسار العاصي خير من صولة المطيع " . وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه : " معصية بالله خير من ألف طاعة بالنفس " ، ومعنى كلام الشيخ : أن العبد إذا أجريت عليه زلة لم يقصدها بقلبه وإنما جرته القدرة إليها رغماً على أنفه ثم ندم وانكسر فهي في حقه خير من ألف طاعة يشهد فيها نفسه ويتبجح بها على عباد الله . فأشار إلى الفرق بين معصية الولي ومعصية الفاسق وذلك من ثلاثة أوجه: الولي لا يقصدها ولا يفرح بها ولا يصر عليها ، والفاسق بالعكس في الجميع . وقيل للجنيد : أيزني العارف ؟ فقال : ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) لكن معصية الولي حدها الظاهر ولذلك قال ابن عطاء الله : " ليت شعري لو قيل له أتتعلق همة العارف بغير الله لقال لا " .  ولما كانت النعم تقتضي من العبد شكرها وشكرها هو العمل بطاعة الله فيها قال الجنيد :الشكر ألا يعصي الله بنعمة . بين الشيخ أصول النعم وفروعها فقال:

( نِعْمَتانِ ما خَرَجَ مَوْجودٌ عَنْهُما ، وَلا بُدَّ لِكُلِّ مُكَوَّنٍ مِنْهُما : نِعْمَةُ الإيجادِ ، وَنِعْمَةُ الإِمْدادِ)

أما نعمة الإ يجاد : فهي الإظهار من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، أو من عالم الأمر إلى عالم الخلق ، أو من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح ، أو من عالم القدرة إلى عالم الحكمة ، أو من عالم التقدير إلى عالم التكوين . وأما نعمة الإمداد فهي : قيامه تعالى بالأشياء بعد وجودها ، وإمداده إياها بما تقوم به بنيتها ، وهاتان النعمتان عامتان واختص الإنسان بما اجتمع فيه من الضدين وهما النور والظلمة ، واللطافة والكثافة ، فلو بقيت أيها الأنسان على ما كنت عليه من العدم في عالم القدم لم تتمتع بنعمتين نعمة الأشباح ونعمة الأرواح ، ولو تجلى فيك بوجهة واحدة لكنت ناقصاً في شهود المعرفة لأن مزية الآدمي في المعرفة أعظم ، إذ بقدر المجاهدة يكون الترقي في المشاهدة لما فيه من الكثافة واللطافة ، فكلما لطف من كثافة ترقى في مشاهدة ربه ولما فيه من النور والظلمة فكلما انتفت الظلمة قوي النور بخلاف غيره من الجن والملائكة غير المقربين قال الله تعالى في حق الملائكة : ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) فما مثل الآدمي إلا كياقوتة سوداء وهي أعظم اليواقيت كلما صقلتها أشرقت وزاد نورها وجمالها ، ومثل الملائكة كالزجاج إذا صقل مرة كفاه ولا يزيد نوره على أصله .
فلو بقيت أيها الإنسان على ما كنت عليه من العدم أو من اللطافة بعد قبضة القدم لم يكن لك مزية على غيرك . ومما يدلك على أن تجلي الآدمي أعظم أختصاصه بالجنة والنظر
قال تعالى : ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ )  والكلام إنما هو مع الخواص ، فخواص الآدمي أعني الأنبياء أعظم من خواص الملائكة ، وخواص الملائكة أعني المقربين أعظم من خواص الآدمي أعني العارفين ، والعارفون أعظم من عوام الملائكة وعوام الملائكة أعظم من عوام بني آدم والله تعالى أعلم . فأنعم الحق سبحانه عليك أيها الإنسان أولاً بنعمة الإيجاد وأصحبك الرأفة والوداد لتظهر مزيتك وتكمل نعمتك ، ثم أنعم عليك ثانياً بنعمة الإمداد حسية ومعنوية .
أما المدد الحسي : فغذاء البشرية من أول النشأة إلى منتهاها.
وأما المدد المعنوي : فغذاء الروح من قوت اليقين والعلوم والمعارف والأسرار.
ثم أن هذا المدد المعنوي من حيث هو ينقسم على ثلاثة أقسام :
منه ما لا يزيد ولا ينقص وهو مدد الملائكة قال تعالى فيهم :
(وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) ومنه ما يزيد وينقص وهو مدد عوام بني آدم .
ومنه ما يزيد ولا ينقص وهو مدد خواصهم كالرسل والأنبياء وأكابر الأولياء ومن تعلق بهم ممن دخل تحت حضانتهم ولزم عشهم من الفقراء والمريدين السائرين ، فمددهم في الزيادة على الدوام وهذا المدد ثابت للروح قبل اتصالها بالبشرية ، فلذلك أَقرُّوا بالربوبية في عالم الذر قال في التنوير : " اعلم أن الحق سبحانه تولاك بتدبيره على جميع أطوارك وقام لك في كل ذلك بوجود إبرارك فقام لك بحسن التدبير يوم المقادير يوم قال : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ومن حسن تدبيره لك أن عرفك به فعرفته ، وتجلى لك فشهدته واستنطقك وألهمك الإقرار بربوبيته فوحدته ثم إنه جعلك نطفة مستودعة في الأصلاب ، تولاك بتدبيره هنالك حافظاً لك وحافظاً لما أنت فيه موصلاً لك المدد بواسطة ما أنت فيه من الأباء إلى أبيك آدم ، ثم قذفك في رحم الأم فتولاك بحسن التدبير ، وجعل الرحم قابلة لك أرضاً يكون نباتك ، ومستودعاً تعطي فيها حياتك ثم جمع بين النطفتين وألف بينهما فكنت عنهما لما بنيت عليه الحكمة الإلهية من أن الوجود كله مبني على سر الازدواج ثم جعلك بعد النطفة علقة مهيئة لما يريد سبحانه أن ينقلها إليه ، ثم بعد العلقة مضغة ثم فتق سبحانه في المضغة صورتك ، وأقام فيها بنيتك ، ثم نفخ فيك
الروح بعد ذلك ثم غذاك بدم الحيض في رحم الأم فأجري عليك رزقه من قبل أن يخرجك إلى الوجود ، ثم أبقاك في رحم الأم حتى قويت أعضاؤك واشتدت أركانك ليهيئك إلى البروز إلى ما قسم لك أو عليك ، وليبرزك إلى دار يتعرف فيها بفضله وعدله إليك ، ثم لما أنزلك إلى الأرض علم سبحانه أنك لا تستطيع أن تتناول خشونات المطاعم وليس لك أسنان ولا أرحى تستعين بها على ما أنت طاعم فأجري الثديين بالغذاء اللطيف ووكل بهما مستحث الرحمة التي جعلها في قلب الأم ، فكلما وقف اللبن على البروز أستحثته الرحمة التي جعلها لك في الأم مستحثاً لا يفتر ومستنهضاً لا يقصر ، ثم أنه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحك والرأفة عليك والرحمة والنظر بعين المودة منهما إليك وما هي إلا رأفته ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفاً بالوداد وفي حقيقة الأمر ما كفلتك إلا ربوبيته وما حضنتك إلا إلوهيته ثم ألزم الأب القيام بك إلى حين البلوغ . وأوجب عليه ذلك رأفة منه بك ثم رفع قَلَمُ التّكْليف عنك إلى أوان تكمل الأفهام ، وذلك عند الاحتلام ثم إلى أن صرت كهلاً لم يقطع عنك نوالاً ولا فضلا ، ثم إذا انتهيت إلى الشيخوخة ، ثم إذا قدمت عليه ثم إذا حشرت إليه ثم إذا أقامك بين يديه ثم إذا سلمك من عقابه ثم إذا أدخلك دار ثوابه ثم إذا كشف عنك وجود حجابه وأجلسك مجالس أوليائه وأحبابه قال سبحانه : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) فلأي إحسانه تشكر ؟ ولأي إياديه تذكر واسمع قوله سبحانه : ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ) تعلم أنك لم تخرج عن إحسانه ، ولن يعدوك وجود فضله وامتنانه " كلامه في التنوير وهو شرح لهذه الحكمة لاشتماله على النعمتين إيجاداً وإمداداً .
ومن نعمة الإمداد المعنوي نعمة الإسلام والإحسان ، وحفظ ذلك وإدامته علينا في كل وقت وحين ، وزيادة الترقي في المعرفة واليقين إلى يوم الدين ، فالحمد لله رب العالمين . ثم المقصود بالنظر إلى هاتين النعمتين هو الإنسان وإن كانتا عامتين في جميع الأكوان إذ هو المطلوب بشكرها والتحدث بذكرها ولذلك خصه بالخطاب : { أنعم عليك أولاً بالإيجاد ، وثانياً بتوالي الإمداد } توالي الإمداد هو تتابعه واتصاله سواء كان حسياً أو معنويا ففي كل ساعة ولحظة أنت مفتقر إلى إمداده قلباً وقالباً .

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: