الجمعة، 7 سبتمبر 2018

الأدب عمدة الصوفية في السلوك

الأدب عمدة الصوفية في السلوك

الإشارة : قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب ، الذي هو عمدة الصوفية ، حيث قدم الثناء قبل الطلب ، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب . وقوله تعالى : { رب هب لي حكما } : قال القشيري : " أي : على نفسي أولا ، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره ، { وألحقني بالصالحين } ؛ بالقيام بحقك ، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك ".
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين : من صلحت ظواهرهم ، وتطهرت قلوبهم من الأمراض . وفوقهم الأولياء ، وهم من كشف عنهم الحجاب ، وأفضوا إلى الشهود والعيان ، وفوقهم درجة النبوة والرسالة ، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق ، هو تنزل وتواضع؛ ليعرف جلالة قدر الصالحين ، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » أي : اجعل المساكين هم قرابتي ، المحدقون بي في المحشر ، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين ، وعظم جاههم ، بطلبه أن يكونوا في كفالته ، لا أنه في كفالتهم ، وكذلك الخليل والصديق ، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام ، أو أنهما طلبا اللحوق بهم .
وقوله تعالى : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ؛ كل من اخلص وجهه لله ، وتخلصت سريرته مما سوى الله ، وكان إبراهيميا حنيفيا ، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده ، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السموات : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض » أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
وقوله تعالى : { واغفر لأبي . . . } إلخ . قال القشيري : هذا عند العلماء : إنما قاله قبل يأسه من إيمانه ، وعن أهل الإشارة : ذكره في وقت غلبة البسط ، وتجاوز ذلك عنه ، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل الأدب شيء ، وأكثر ما فيه : أنه لا يجيبه في ذلك ، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب ، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد . ه .
قال المحشي : " وينظر لما قاله العلماء ، وبه الفتوى ، قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } [ التوبة : 114 ] ، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة ، وتكلمه فيه بقوله : ( وأي خزي أعظم من كون أبي في النار . . . ) الحديث ، وكذا قوله : { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 36 ] ، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة ، على سعة العلم ، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي ، وصلاته عليه ، وانظر الطيبي في آية : { وسعت كل شيء رحمة وعلما } [ غافر : 7 ] " .
وقوله تعالى : { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم : أنه السالم من الشكوك والأوهام ، والخواطر الردية ، ومن الأمراض القلبية ، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل ، يخرجه من الأوصاف البشرية ، إلى الأوصاف الروحانية ، ويحققه بالحضرة القدسية ، وإلا بقي مريضا ، حتى يلقى الله بقلب سقيم . وفي الإحياء : السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا ، والجود بالمال من عوارض الدنيا ، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما ، أي : لا يكون ملتفتا إلى المال ، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه؛ فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق ، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك . وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا . وقال الداراني : " القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى :. وقال الجنيد رضي الله عنه : " السليم في اللغة : اللديغ ، فمعناه : كاللديغ من خوف الله تعالى ". وبالله التوفيق .

تفسير ابن عجيبة

Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: