نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار لعبد القادر الجيلاني - 15


في بيان الحجّ الشّريعة والطّريقة


الحجّ على نوعين : حجّ الشّريعة، وحجّ الطّريقة.

فحجّ الشريعة : بحجّ بيت الله تعالى بشرائطه وأركانه، حتى يحصل ثواب الحجّ، فإذا نقص شيء من شرائطه نقص ثواب الحجّ؛ لأنّ الله تعالى أمرنا بإتمام الحجّ بقوله تعالى : {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ للّه ...} [البقرة : 196].

فمن شرائطه : الإحرام أوَّلاً، ثمّ دخول مكّة، ثمّ طواف القدوم، ثمّ الوقوف بعرفة، ثمّ الوقوف بمزدلفة، ثمّ ذبح الأضحية في منًى، ثمّ دخول الحرم، ثمّ طواف الكعبة سبعة أشواط، ثمّ شرب ماء زمزم، ثمّ يصلّي ركعتي الطّواف في مقام إبراهيم عليه الصلاة والسّلام، ثم يحلِّل ما حرَّم الله تعالى عليه من الصّيد ونحوه. فجزاء هذا الحجّ العتق من الجحيم، والأمن من القهر كما قال الله تعالى : {...وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا...} [آل عمران : 97] ثم طواف الصّدور، ثمّ الرجوع لى وطنه.

وأمّا حجّ الطّريقة : فزاده وراحلته أوّلاً الميل إلى صاحب التّلقين وأخده منه، ثمّ ملازمة الذّكر باللّسان، وملاحظة معناه حتى تحصل حياة القلب له، ثمّ يشتغل بذكر الباطن حتّى يصفّيه بملازمة أسماء الصفات، فتظهر كعبة السّرّ بأنوار الصّفات كما أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بتطهير الكعبة أوّلاً كما قال الله تعالى : {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ...} [البقرة : 125].

فكعبة الظاهر : تطهيرها لأجل الطّائفين من المخلوقات.

وكعبة الباطن : تطهيرها لنظر الخالق ممّا أخد زهدة التّطهير ممّا سواه، ثمّ أحرم بنور الرّوح القدسيّ، ثم دخل كعبة القلب، ثمّ طواف القدوم بملازمة الاسم الثّاني، ثمّ ذهب إلى عرفات القلب؛ وهي موضع المناجاة، فوقف فيها بملازمة الاسم الثّالث والرّابع، ثمّ ذهب إلى مزدلفة الفؤاد، وجمع بين الاسم الخامس والسّادس، ثمّ ذهب إلى منى السّرّ؛ وهي ما بين الحرمين، فوقف بينهما، ثمّ ذبح النّفس المطمئنة بملازمة الاسم السّابع؛ لأنه اسم الفناء، ورافع حجاب الكفر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : (الكُفْرُ والإيمانُ مقامَان مِنْ وَرَاءِ العَرْشِ،وهمَا حِجابَان بين العبدِ وبينَ الحقّ أحدُهُمَا أسوَدُ والثَّاني أَبْيَض) ثمّ حلق الرّوح من الصّفات البشريّة بملازمة الاسم الثامن، ثمّ دخل حرم السّرّ بملازمة الاسم التّاسع، ثمّ وصل رؤية العاكفين، فيعتكف في بساط القربة والأنس بملازمة الاسم العاشر، ثمّ رأى جمال الصَّمديّة بلا كيف ولا تشبيه، ثمّ طاف سبعة أشواط بملازمة الاسم الحادي عشر، ومعه ستة أسماء من الفروعات، ثمّ طاف سبعة بملازمة الاسم الحادي عشر، ومعه ستة أسماء من الفروعات، ثمّ يشرب من يد القدرة كما قال الله تعالى : {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}[الإنسان : 21] بقدح الاسم الثاني عشر، ويررفع برفع الوجه الباقي المقدّس فينظر بنوره إليه، وهذا معنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ : (مَا لاَ عَيْنٌ رَأَت...) يعني : لقاء الله تعالى : (ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ) يعني : كلام الله تعالى بلا واسطة الحروف والصّوت. (ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر) يعني : ذوق الرؤية والخطاب ثمّ حلّل ما حرّم الله، بتبديل السَّيّئات إلى الحسنات، بتكرار أسماء التّوحيد كما الله تعالى : {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان : 70]، ثمّ العِتْق من التصرُّفات النّفسانيّة، ثمّ الأمن من الخوف والحزن كما قال الله تعالى :{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس : 62] رزقنا الله وإياكم بفضله وكرمه، ثمّ طاف الصّدور بتكرار الأسماء كلّها، ثمّ الرّجوع إلى وطنه الأصلي في عالم القدسيّ في أحسن التّقويم بملازمة الاسم الثاني عشر، وهو متعلّق بعالم اليقين، وهذه التأويلات في دائرة اللسان والعقل. وأمّا ما وراء ذلك فلا يمكن الإخبار عنه، لأنّه لا تدركه الأفهام والأذهان، ولا تسع الخواطر في ذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ ، لا يَعْرِفُهُ إِلا الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ ، فَإِذَا نَطَقُوا بِهِ لَمْ يُنْكِرْهُ إِلا أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ) فالعارف يقول ما دونه، والعالم بالله يقول ما فوقه، فإنّ علم العارف سرّ الله تعالى، لا يعلمه غير الله تعالى كما قال الله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة : 255]، أي : الأنبياء والأولياء كما قال الله تعالى : {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (*) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ }[طه : 8/7].


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016