نفحات الطريق: الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا (2)

تعريف الطريقة القادرية البودشيشية

الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا (2)


أولا : الرمزية في طقس الإطعام

1 - الطعام كشكل من أشكال التعبير عن التجربة الروحية عند الطريقة القادرية البودشيشية.

أظهرت الدراسات الميدانية من خلال الملاحظة بالمشاركة أن إطعام الطعام موجود في كل المحطات التربوية واللقائات التنظيمية للطريقة القادرية البودشيشية، في الزاوية بمداغ أو النعيمة وبمختلف الفروع، وموائده تكون متنوعة بأشهى وألذ ما يطهى من طعام وفواكه وشراب، فهو جزء من النسق الفكري للطريقة التي لا يجب الانحراف عنه، وتعبير ظاهري عملي عن مدى تأثير قيم ومبادئ الطريقة في الفقراء، ما يجعله يلعب دورا أساسيا في تربيتهم الروحية. فإطعام الطعام والمشاركة في طبخه وتقديمه تعبير عن الاستجابة الكاملة للفقير بأكمله : بفكره بحكم أنه يعتقد بقدسية الفعل ( المشاركة في الأكل أو الطبخ)، بجسده وذلك بتقديمه للخدمة في المطبخ أو خارجه، وبماله من خلال مشاركته في مصاريف إعداد الطعام.

2 - الطعام كقيم ومبادئ إسلامية

يعتبر الطعام والسخاء فيه قاعدة تتأسس عليها الطريقة القادرية البودشيشية، وشرطها مهما تقوم عليه الزاوية، فهو بالنسبة للشيخ حمزة يدخل في باب البر والكرم والجود الذي يعتبر سمة من سمات المسلمين ومصدر قوتهم، يستدل على ذلك بقوله تعالى :{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًاوما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله حين سُئل عن الإيمان فقال : (إطعام الطَّعام وبذل السلام)، وأيضا ما أثر عنه من قوله : (لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُضِيفُ)وترسيخ هذه الصفات أصبحت من اختصاص الأولياء ومريديهم، وهو ما يتم غرسه وتثبيته من خلال تربية فقراء الطريقة القادرية البودشيشية على قيم العطاء والسخاء، خاصة عند إطعام الطعام، لذلك تجد البنية الاجتماعية داخل الزاوية ترتكز على مبدأ الإطعام كميزة مرتبطة بالشريعة الإسلامية إذ تعبر عن السخاء والكرم والجود، وكترسيخ لمبدأ المحبة والأخوة في الإسلام.

غالبا ما يتم تذكير الفقراء خلال جلسات الطعام بأقوال الشيخ حمزة : (الكرم وصف لا يفارق المحبين وشرط عليه قام سلوك السالكين، واستقام بسره السائرون، فلا تجتمع المحبة والشح في قلب واحد). ويحكي عن شيخه أبي مدين أنه قال : (من ادعى لكم محبة الرسول فاختبره بالبدل والعطاء، فإن كان شحيحا فهو مدع لا حقيقة لمحبته).

ولأن الكرم والجود والعطاء صفات يتوارثها الأبناء عن الآباء، لأنها تدخل في التربية والسر الذي يرثه شيوخ الصوفية عن شيوخهم، فقد كان الشيخ حمزة، حسب هؤلاء، يُزكي كلامه عن الطعام والسخاء فيه بأبيه العباس حيث يقول عنه : (لقد حصل بالسخاء ما لم يحصله بالعبادة والرياضة).

ويُحكى عن الشيخ حمزة خلال هذه الموائد قوله : (أن مسألة إطعام الطعام والإكثار والبذخ فيه ليست سمة مرتبطة به دون غيره، بل إنها صفة ميَّزت جده الشيخ المختار الذي كان يطعم الطعام "بالقصاعي" الكبار أيام المجاعة، وكان الناس يتعجبون في إفراط كرمه والزمان زمان قحط)، لذلك يتواصى الفقراء فيما بينهم بالاقتداء بالشيوخ البودشيشيين لأن في ذلك الخير الكثير.

إرسال تعليق

0 تعليقات