نفحات الطريق: الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا

الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا - نفحات الطريق
الرئيسية » » الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا

الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية - نموذجا

Admin الثلاثاء، 12 مارس 2019 10:38:00 م
الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادرية البودشيشية  - نموذجا

بلغازي نور الدين
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك
جامعة الحسن الثاني - الدار البيضاء
ملخص

يعد طقس الإطعام أحد أبرز المظاهر التي تشتهر بها الزوايا وتحرص على أن لا تنقطع هذه الصفة عنهم لأنها عنوان للكرم والجود والسخاء، الذي يدخل في باب التربية والسر والبركة والكرامات التي يتوارثها شيوخ الصوفية عن شيوخهم.

نريد من خلال هذه الدراسة التي اخترنا لها عنوان "الطعام في الطريقة الصوفية بين الرمزية والوظيفة - الزاوية القادريية البودشيشية - نموذجا" تقريب هذا الطقس للمتبعين للشأن الصوفي والظواهر المرتبطة به عبر إبراز مختلف أبعاده ووظائفه المرتبطة بنسق القيم والمبادئ الصوفية.

لمراقبة هذا الموضوع تم اختيار الزاوية القادرية البودشيشية كمجال لرصد وتتبع مختلف تجليات هذا الطقس الذي يشكل فقراء الزاوية الفاعلين الرئيسيين فيه. 

يعتبر إطعام الطعام محطة من محطات التربيية والتزكية الروحية عند الفقراء يتم عبرها تنشئتهم على قيم ومبادئ الطريقة، وعليه يصبح الطعام كتعبير عن التجربة الروحية التي يعيشها الفقير، وكأداة ثقافية تنتقل من خلالها العديد من الرموز والمؤشرات الثقافية الهامة، والراسمة لمنهج الطريقة، وحيث يبدو أيضا كوسيلة للتواصل والرقي الاجتماعي وتقوية البناء الاجتماعي للزاوية القادرية البودشيشية.

يعد الطعام عاملا مشتركا بين الإنسانية لا مجرد مواد غدائية تحددها الغريزة كما هي عند الحيوان، إن وجه الاختلاف بينهما يكمن في أن تلك المواد تبقى من دون تعبير في عالم الحيوان، بينما تتحول في عالم الإنسان إلى مجال أولي لنقل العديد من المعاني والدلالات الاجتماعية. إنها حسب ليفي ستراوس "أشياء لا يكتفي الناس بطلبها تحت ضغط الرغبة والحاجة، إنما يتعدى ذلك كله إلى التفكير بها في الذات والآخرين واتخادها لغة للتواصل فيما بينهم، ووسيلة لتقدير مدى قرب أو بعد المسافة الاجتماعية والثقافية التي تفصل في ما بين أفرادهم وجماعاتهم داخل الفضاء الاجتماعي"(1)، وهو ما ذهب إليه عبد الرحيم العطري في كتابه "قرابة الملح"، حيث اعتبر الطعام "جسر عبور ممكن إلى الأبنية الخفية للمجتمع، ومنه نفكك كثيرا من الشفرات الثقافية، ونتتبع مختلف التلاقحات والتواصلات التي تختزنها وجبات وأدوات الممارسة المطبخية"(2).

ويظهر تاريخ الزوايا، باعتبارها مؤسسة دينية اجتماعية، مدى ارتباطها بالإطعام والإيواء الَّذَيْن كانت توفرهما لطلبة العلم وللمدرسين الذين يستقدمون من خارج مجال الزاوية، حتى غدا اسمها مقترنا بهما وملازما لها. وقد ارتبطت وظيفة الإطعام بفترات القحط والمجاعة والأوبئة التي كانت تضرب مناطق عديدة من المغرب، وكانت سمعة الزوايا وعلو شأن شيخها ودرجة الارتباط به رهينا بعدد الجائعين الوافدين عليها لتناول الطعام(3). كما كان الطعام في ذلك الوقت، في غالب الأحيان عبارة عن خبز وحساء الذرة او الفول، مع بعض الفواكه الجافة كالتين والزبيب والزيتون، وأحيتنا كان يقدم لهم طعام الكسكس بالحليب والسمن (الدشيشية).

وقد ارتبط مفهوم البركة في هذه الفترة بتقديم الطعام، واعتبرت الزوايا التي لا تتوقف عن الإطعام رمزا ودليلا عن البركة. وغالبا ما كانت الزوايا تقدم الطعام مقابل هبات وخدمات والتزامات يتعهد هؤلاء بالوفاء بها لصالحها(4). ولا شك أن وظيفة الإطعام تجتذب العديد من الناس، فقد كان هاجس الإطعام من الموضوعات الرئيسية في كرامات الأولياء، لأن قدرة الشيخ أو الولي على إطعام عدد هائل من الناس يعتبر أمرا خارقا، وهو ما وقفنا عليه في دراستنا للطريقة القادرية البودشيشية، ونحاول إبرازه في هذه الدراسة، حيث يبدو الطعام أداة ثقافية تنتقل من خلالها العديد من الرموز والمؤشرات الثقافية الهامة، والراسمة لقيمها ومبادئها.

**   **   **
الهوامش

1 - ليتش،ادمونند، كلود ليفي ستراوس ،دراسة فكرية، ترجمة ثائر ديب، دار فرقد للطباعة والنشر
والتوزيع، دمشق ، الطبعة الثانية، ،2010ا ص45.
2 - جحاح محمد ، الزاوية بين القببلة والدولة، في التاريخ الاجتماعي والسياسي للزاوية الخمليشية
بالريف، افرقيا الشرق -المغرب ، 2015 ن ص ص 630 و 307.
3 -الحضيكي (محمد ابن احمد)، طبقات الحضيكي، تحقيق  أحمد بومركز، ج1، بدون تاريخ، دار نشر، ص138
4 - الشاذلي (عبد اللطيف)ن التصوف والمجتمع نماذج من القرن العاشر الهجري، منشورات جامعة الحسن الثاني، سلسلة أطروحات ورسائل، مطبعة سلا، 1989، ص ص 192 - 195.

0 تعليقات: