-->
نفحات الطريق  نفحات الطريق
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

البعد التوحيدي للذكر في الإسلام (الوسيلة والغاية) (5)

ثانيا : الذكر بين سعة الحكم الشرعي وضيق اللغة العادية :

وأمام هذه السعة التي ورد النص عليها في مجال الذكر قد نجد اعتراضا تضييقيا لغويا يريد أن يتحكم في القضايا الشرعية باللغة العامية المـتداولـــة وبالتـالي إصدار فـتوى عـلى الـشرع نفـسه بما لم يـسمح بـه ولم ينص عليه.

1) خصوصية الإسم « الله» ومشروعية الذكر به

وكنموذج على هذا المنحى الذي تميل إليه بعض الفئات الإسلامية المعاصرة ذات البعد السياسي أو الحركي كما يسمونه نجد جذوره في الآراء الفقهية لابن تيمية من حيث التعامل مع النوافل وخاصة ذكر الله تعالى يقول في بعضها : « إن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل «لا إله إلا الله» ومثل «الله أكبر» ومثل « سبحان الله والحمد لله». ومثل «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومثل «تبارك إسم ربك» « تبارك الذي بيده الملك » «سبح لله ما في السموات والأرض» « تبارك الذي نزل الفرقان ».

فأما «الإسم المفرد» مظهرا مثل «الله الله» أو «مضمرا» مثل «هوهو» فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة!!! ولا هو مأثور أيضا عن أحد من الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم، وإنما لهـج به قوم من ضلال المتأخرين (1)!!!. فأما ذكر «الإسم المفرد» فلم يشرع بحال وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه وإنما الغرض بيان حكم ذكر الإسم وحده من غير كلام تام، وقد ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب» (2).

بعد هذا يذهب إلى قياس الأدنى وتوظيفه في غير محله، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن الأدلة العقلية الذوقية في نظره! إذ يرى « أن الإسم وحده لايعطي إيمانا ولا كفرا ولا هدى ولا ضلالة ولا علما ولا جهلا وقد يذكر الذاكر إسم نبي من الأنبياء أو فرعون من الفراعنة أو صنم من الأصنام، ولايتعلق بمجرد إسم حكم إلا أن يقرن به مايدل على نفي أو إثبات أو حب أو بغض وقد يذكر الموجود والمعدوم»(3).

وهذا قياس فاسد لايليق بمقام الذكر بل ينافي الذوق والعقل والشرع أولا وأخيرا. لكنه لكي يدعم هذا القياس ينتقل إلى تحكيم اللغة العادية والعامية - أقصد بها عامة العربية- في النص الديني فيقول، «ولهذا اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الإسم وحده لا يحسن السكوت عليه ولا هو جملة تامة ولا كلاما مفيدا، ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول أشهد أن محمدا رسول الله، (بنصب رسول) فقال فعل ماذا؟! فإنه لما نصب الإسم صار صفة والصفة من تمام الإسم الموصوف. فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد، ولكن المؤذن قصد الخبر فلحن.» بل ذهـب الانجراف التضييقي به والتكلف الفتوي إلى أن قال : « ولو كرر الإنسان إسم «الله» ألف ألف مرة لم يصر بذلك مؤمنا ولم يستحق ثواب الله ولا جنته...». 

وهذه عثرة من عثرات ابن تيمية في فتاواه إذ لكل جواد كبوة، فالفتوى فيها تضييق لمجال الذكر وبعده التوحيدي. كما أنها تتضمن إقصاء واضحا لروح التعامل مع الدين ألا وهو مبدأ النية في الأعمال. وبالتالي إقصاء لمفهوم الحب الإلهي. ودلائله، لأن القاعدة : «مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ» وحيث أن الذاكر ركز على تكرار إسم «الله». فإنه لولا حبه إياه وإيمانه به لما استطاع الاستمرار في ذكره إلى مستوى العدد الذي ذكره ابن تيمية فرضا. مع العلم أن الحكم بالإيمان قد اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد الإماءة أو الإشارة للتوحيد بالأصبع أو رفع البصر إلى أعلى مع نفي الجهة والعلو المكاني عن الله تعالى وإنما التعبير عن علو الذات يتم بالإشارة إلى الفوق مجازا.

وبهذا كان حكمه صلى الله عليه وسلم بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء. فقد انكشف به أيضا إذ ظهر أن لاسبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي. وقد كان يظن بها أنها من عباد الأوثان ومن يعتقد الإله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة الى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقده أولئك.

بالإضافة إلى هذه التجاوزات التي تخبطت فيها فتوى ابن تيمية حول تضييق موضوع ذكر الله تعالى وإقصاء الإسم المفرد «الله» من دائرته يوجد تجاوز صارخ لنصوص شرعية دالة على جواز الذكر بالإسم المفرد «الله» وتكراره دلالة صريحة أعرض لنموذجين منها كلاهما صريح وصحيح ثابت على شرط المحدثين :

روى مسلم عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لاتقوم الساعة حتى لا يقال الله الله»، وفي رواية أخرى : «لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله». وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال : «كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال ما كنتم تقولون ؟ قلنا نذكر الله الله. قال : إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم».

وهذان الحديثان فيهما الكفاية اللازمة لدحض آراء أصحاب الاتجاه التضييقي في تعاملهم مع النصوص الدينية وإسقاطاتهم اللغوية العفوية على المفاهيم التعبدية وأبعادها التوحيدية، إذ أنهما يتضمنان الأحكام التالية لا على سبيل الحصر:

أ) مشروعية الذكر بالإسم المفرد «الله» واستحبابه بل ضرورته. وذلك لأن الحديثين جاءا في معرض مدح الذاكرين بهذا الإسم دون أن يضيفوا إليه كلاما يتم معناه حسب زعم ابن تيمية ، بل ورد في كلي الحديثين مكررا للدلالة على أن المقصود منه تكرار اللفظ للعبادة والتقرب إلى الله لا للإجابة عن شرط أو استفهام أو ما إلى ذلك مما يريد أن يعلل وروده ابن تيمية كما في قول الله تعالى : «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ».
كما أن الحديثين فيهما دلالة على استحباب توظيف هذا الذكر على مستوى فردي أو جماعي في مجالس الذكر وحلقه، كما نصت عليها أحاديث أخرى.

ب) يتضمن الحديثان أفضلية الذاكرين لله بالإسم المفرد. وأنهم ما داموا موجودين على الأرض وخاصة في حديث أنس فإن الإنسانية تكون في أمان واطمئنان من قيام الساعة المباغث.... إذ يكون وجودهم علامة على وجود الصالحين وهذا يتعضد بحديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس« أو»شرار الخلق» حسب رواية مسلم.

ج) إن اسم « الله» فيه الدليل والمدلول وهو لايحتاج إلى من يكمله بالفعل أو النعت أو الإضافة، بل هذه المكملات في اللغة المتداولة لا تكمل إلا به، إذ لولاه لما كان فاعل ولا فعل ولا مفعول ولا نعت ولا منعوت ولا مضاف ولا مضاف إليه.

وهو بهذا المعنى التوحيدي الخالص لا يخضع للغة العادية وتراكيبها، لأنه فوق اللـغة واشتقـاقـاتها واشتراكاتها، إذ الأسماء الأخرى قد تعرف اشتراكات لفظية مجازية دون الاشتراك المعنوي والحقيقي بين أسماء الله وبعض أسماء مخلوقاته. ولهذا تحتاج إلى تمييز مجازا أيضا، وإلا فاللفظ يحمل معناه بحسب نية وتوجه قائله.

أما إسم «الله» فهو كما ذهب إليه بعض المفسرين لا يعرف اشتقاقا في اللغة أواشتراكا لفظيا، لهذا فهو غير محتاج إلى من يدل عليه كما أنه لا أحد يسمى باسم الله في هذا الوجود إلا الله سبحانه وتعالى، ولهذا فحينما يذكر إسم الله لايخطر في الذهن أو القلب إلا هو كما أنه ضمنا تعود إليه كل الأسماء والمعاني التوحيدية، إذ التركيز على ذكر هذا الإسم هو في نفــس الــوقت إثبـات للوجـود وللـوحدانية، وللتفـرد ومخالفة الحوادث، وفيه تحقيق للعبودية وإخلاص المحبة له من طـرف الذاكر. فإسم «الله» هو أسمى الكلمات والمعاني وهو الذات التي لا يتسمى أحــد من المخلوقـات باسمها وهو هو « الأول والآخر والظاهر والباطن» لا معبود سواه.

ولهذا المعنى التوحيدي الذي يفيده إسم «الله» عند ذكره فإنه عند التعبير بأفضليته لم يورده الشرع متبوعا بالمفضول. وإنما أورد الاسم مقصد التفضيل وأسند إلـيه اسم التفضيل دون اعتبار المفضول وذلك في قول الشارع : « الله أكبر». فأكبر على صيغة إسم التفضيل. والقاعدة العادية في هذا الباب تقول بأن « إسم التفضيل صفة تؤخذ من الفعل لتدل على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها. وقد يكون التفضيل بين شيئين في صفتين مختلفتين فيراد بالتفضيل حينئذ ان أحد الشيئين قد زاد في صفته على الشيء الآخر في صفته.

وقد يستعمل إسم التفضيل عاريا عن معنى التفضيل لكنه مع ذلك يسند إلى أشخاص يشتركون في مقارنة ما كقـولك « أكرمت القوم أصغرهم وأكبرهم».
وهذه القواعد اللغوية لا تنطبق على قولنا «الله أكبر» إذ التساؤل حول «أكبر ممن؟» في هذا المقام غير وارد لأنه لا مقارنة في هذه الصفة بين الخالق والمخلوق، ولهذا أقصي المخلوق من المقارنة لدفع أي تشبيه أو تقدير أو مقايسة. فالله أكبر لا نهاية لذاته ولا حد لها، ولايشبه ذاته أي مخلوق في أي شيء مهما تسامت أو دقت بنية هذا المخلوق ووظيفته، إذن فالمفضول في هذا التفضيل لا وجود له ولا مكان لاعتباره لعلو مقام التفضيل بحسب علو ذات الفضيل الأفضل، وبهذا المعنى التوحيدي كان ذكر «الله أكبر». كلاما كاملا رغم أنه يتخطى القواعد اللغوية العادية في إسم التفضيل لأنه مرتبط بالإسم الذي هو فوق الاشتقاق وفوق النعت والإضافة. وهذا مما لم ينتبه إليه ابن تيمية رغم أنه استشهد بهذه الكلمة «الله أكبر». للدلالة على رفضه الذكر بالإسم المفرد «الله». إذ أن الكلمة تنقض فتواه في مهدها ومن أساسها كما أنها لم ترد في نهاية سياق أو كلام سابق وإنما التعبير بها يكون ابتداءا لا جوابا ولا بيانا لشرط أو ثنيا أو مبتدإ أو تكميلا لجملة ومعناها.

وإذا كانت هذه المعاني قد فهمناها بحسب معطيات النص وصريح ظاهره و أيضا بحسب ذوقنا العملي ومزاولتنا الشخصية للذكر بالإسم المفرد أو المجرد على يد شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش تلقينا، فإننا قد نجد توافقا بيننا وبين ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي بسبب وحدة المشرب واتصال السند، وذلك بأسلوبه الفقهي والذوقي الصوفي، نورد بعض مقتطفات أقواله في هذا المقام، خاصة وأن ابن تيمة يعد من أشد المعارضين والمتحاملين عليه لنتبين الفرق بين الأسلوبين علما وذوقا وأخلاقا، حيث يقول في الفتوحات المكية: "كل ذكر مقيد لا ينتج إلا ما تقيد به لا يمكن أن يجني منه ثمرة عامة، فإن حالة الذكر تقيده، وقد عرفنا الله أنه ما يعطيه إلا بحسب حاله في قوله "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" الحديث، فلهذا رجحت طائفة ذكر لفظة "الله" وحدها أو ضميرها "هو" من غير تقييد، فما قصدوا اللفظة دون استحضار ما يستحقه المسمى، وبهذا المعنى يكون ذكر الحق عبده بإسم عام لجميع الفضائل اللائقة به فتكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم "الله"، فالذكر من العبد باستحضار والذكر من الحق بحضور لأنا مشهودون له معلومون، وهو لنا معلوم لا مشهود، فلهذا كان لنا الاستحضار وله الحضور، فالعلماء يستحضرونه في القوة الذاكرة والعامة تستحضره في القوة المتخيلة، ومن عباد الله العلماء بالله من يستحضره في القوتين، يستحضره في القوة الذاكرة عقلا وشرعا وفي القوة المتخيلة شرعا وكشفا، وهذا أتم الذكر لأنه ذكره بكله، ومن ذلك الباب يكون ذكر الله له، ثم إن الله ما وصف بالكثرة شيئا إلا الذكر، وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر، قال: «وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» وقال:

«اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا»وما أتى الذكر قط إلا بالإسم "الله" خاصة معرى عن التقييد فقال : "اذْكُرُوا اللَّهَ" وما قال بكذا، وقال: "وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ" ولم يقل بكذا، وقال: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ" ولم يقل بكذا، وقال: "فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا" ولم يقل بكذا، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول الله الله»، فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها، فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها الله من أجله، فتزول وتخرب، وكم من قائل "الله" باق في ذلك الوقت ولكن ما هو ذاكر بالاستحضار الذي ذكرناه، فلهذا يعتبر اللفظ دون الاستحضار: «إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا» لأنهم لم يسمعوا بذكر شركائهم واشمأزت قلوبهم، هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة، ولهذا قال:"قُلْ سَمُّوهُمْ" فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم فلا يسمى الله إلا الله"(4).

الهوامش

1) ابن تيمية : محموع فتاوى علم السلوك ص : 556
2) ابن تيمية : محموع فتاوى علم السلوك ص : 561
3) ابن تيمية : محموع فتاوى علم السلوك ص : 561
4) ابن عربي : الفتوحات المكية ج 2 ص 229


د. محمد بنيعيش


عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016