نفحات الطريق: كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (14)

كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (14) - نفحات الطريق

ads code here

كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (14)

كتاب : المُعْزى في مناقب الشيخ أبي يَعْزى (14)

وله رضي الله عنه كرامات وآيات: 

يحكى عنه: إنه كان في جواره رجلان بينهما خصومة في حائط بينهما، فأتى أحدهما يشكو إليه جاره، ويتظلَّم منه وصار في شكواه يقع فيه, ويطعن في خصمه، وينال منه بين يدي داود الطائي، فقال له داود: إن لسانك ياأخى لرطبٌ. 

قال: فيبس لسان الرجل في فِيِّه، فصار كالعظم، فجزع وفتح فَاهُ, وجعل يشير لداود, ويشتكي له يَبْسَ لسانه، فقال: يارب إني لم أَرِد هذا, فرجع لسان الرجل رطبًا كما كان، فقال: ياسيدي أشهدك أني قد سلمت لخصمي فيما كان ينازعني فيه، وأشهدك أني تصدَّقت على الفقراء بدية لساني، ثم ذهب لداره فأتى بألف دينار, وطرحها بين يدي داوود الطائي، وقال: يا سيدي فرِّقْ هذه على الفقراء، فأبى ففرَّقها الرجل على الفقراء والمساكين بيده. 

ولما مات رحمه الله تعالى قام ابن السمّاك على قبره يعد مآثره ومفاخره من العلم والعبادة والزهد, فما قال قولاً إلا صدَّقوه، فلما فزع قام أبوبكر الشبلي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه, ثم قال: ياربِّ إن الناس قالوا ما عندهم ومبلغهم ما علموه من حاله, اللهمَّ لا تكله إلى عمله فاغفر له برحمتك. 

ويحكى عنه: إنه كان ابن خمس سنين, سلَّمه أبواه إلى المؤدب، فابتدأه بتلقين القرآن وكان لقينًا، فلما بلغ سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإِنسان: 1]، أتى أمه يوم جمعة مقبلاً على حائط وهو يتفكَّر ويشير بيده فخافت عليه، فقالت: قُم ياداوود واخرج والعب مع الصبيان وانشرح، فلم يجيبها فضمَّته إلى صدرها، ودعت بالويح والثبور، وظنَّت أنه ملموسٌ، فقال لها: مالك يا أماه؟ فقالت له: أبِك بأسٌ ؟ قال لها: لا, قالت له: فأين ذهنك كلّمتُك فلم تسمع ؟ قال لها: مع عباد الله، قالت له: وأين هم ؟ قال لها: في الجنة، قالت له: ما يصنعون؟ 

قال:﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا*وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإِنسان: 13،14]. 

ومرَّ في قراءة السورة وهو باهتٌ؛ كأنه ينظر إليهم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإِنسان: 22]. 

ثم قال: يا أماه ماكان سعيهم، فلم تدر ما تقول له, فقال لها: قومي حتى أتنـزّه عندهم ساعة، فقامت عنه, وأرسلت إلى والده فجاءها, فأعلمته بشأن ولده، فقال له أبوه: ياداوود كان سعيهم أن قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

فكانت لا إله إلا الله بعد ذلك هجيرَ داوود، ولا يسكت إلا بمهمٍّ من فعلٍ أو قولٍ. 

الهجير: هو ما يكثر الإنسان من ترديده. 

وفي الحديث: «كان هجير أبي بكر لا إله إلا الله وكان هجير عمر الله أكبر وكان هجير عثمان سبحان الله وكان هجير علي الحمد لله» رضي الله عنهم أجمعين. 

وقد ذكرنا أوصافهم في غير هذا الكتاب, وهذا إنما بنى على الاختصار لا يمكن فيه التفريع على ما نحن بصدده. 

وأما شيخه حبيب العجمي : فكان آية الله في استجابة الدعاء، وكان في بداية أمره لما تصدق بجميع ماله تنازعه زوجته, وكانت سيئة الخُلق معه تقول له: اذهب واخدم علينا. فيحكى عنه: إنه ذهب إلى الجبانة، وظل فيها يتعبَّد إلى المساء، فقالت له زوجته: وأين الأجرة؟ فقال لها: إني خدمت عند كريم,ٍ فكرهت أن أستعجله في الأُجرة؛ فإنه يعاملنا بأكثر ما نؤمله منه، فقالت له: إذًا لا بأس، فلما طال عليها الحال خاصمته، وقالت له: اذهب إلى هذا الرجل, إما: يعطيك أجرتك أو اذهب إلى غيره، أو كلامًا هذا معناه, فذهب إلى الجبانة؛ أعني: المقبرة, واشتغل بعبادته, فلما قرب المساء خاف من لسان أهله أن تستطيل عليه قال: ياربِّ! إنك تعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وإن أهلي لا يخفي عليك من أمرها شيءٌ, فلما دخل المنـزل وجد دخانًا، ورأى أهله على وجهها السرور الكثير، فلما رأته بادرته بالسلام, وقالت له: نعم الكريم، هذا الذى خدمت عنده قد بعث، والله ما يبعثه الكرماء من الإتحاف من طعامٍ وكساءٍ وكيسٍ فيه كذا وكذا، وبقيت تعده له وهى باهتةٌ، فقال لها: ياهذه والله ما خدمت إلا عند ملك الملوك، وكريم الكرماء الذى يعطي لا من قلةٍ ويمنع لا من بخلٍ، فقالت: لله الحمد وله المنة.

وكان في بدء أمره كثير الحرص على الدنيا, وكانت له غلمان منهم: من كان يتاجر بماله، ومنهم: من كان يؤدي له الخراج, وكان قريبًا من الحسن في المنـزل يحضر مجلسه، فحضره يومًا، فتكلّم في الجنة والنار, فأثرَّت فيه الموعظة، واستقبله التوفيق من الله تعالى، فما زال في الجدّ,ِ حتى كان من أهل الخطوة, فكان آيةً من آيات الله, ذا كراماتٍ، وصار لا يصحب إلا الصدِّيقين, ولكن انتماؤه إلى الحسن البصري رضي الله عنه.

ويُحكى عنه في بعض كرائمه: إنه كان إمامَ مسجدٍ، فأتي الحسن وقتًا، فجازته صلاة المغرب عند مسجده، فدخل ليصلي المغرب، فلما وافاه, فإذا هو يلحن في قرآته، فخرج مخافةً أن تفسد صلاته، فلما كان الليل رأى الحسن؛ كأنه واقفٌ بين يدي الله عز وجل وهو يقول له: يا حسن لو صلّيت خلفه لغفر لك ما تقدّم من ذنبك. 

فاستيقظ الحسن مذعورًا وندم على ما صنع. 

ومن غُرِّ كراماته: إنه كان يوم التروية يُرى بالبصرة، ويوم عرفة يُرى بعرفة.

ويحكى: إن الحجّاج بن يوسف أمر بالحسن بن أبي الحسن البصري أن يُقتل، فأتاه صديق فأخبره، فهرب الحسن, فدخل دار حبيب العجمي، فقال له: هل من مخبأٍ يا أبا محمد؟ إن الطلاب ورائي. 

قال: إلا أن نجعلك ورائي، قال له: ويحك! وما يغني عني وراءك، قال له:أجعلك هناك عند الله, إئتِ حتى تنظر، فأتي الحسن, وجعل وراءه، فإذا برُسلِ الحجاج قد دخلوا، وقد قيل لهم: أنه دخل دار حبيب العجمي، فقالوا له: يا أبامحمد! أين الحسن الداخل عندك الآن؟ قال: انظروا إن وجدتموه، ففتَّشوا الدار كلها, وهو وراء أبومحمد حبيب, فلمالم يجدوا شيئًا، قالوا: لعن الله الذي قال هو هنا, فلما خرجوا, قال للحسن: أرأيت؟ جعلتك عند الله فلم يروك، فعلم الحسن حينئذٍ كبير مقامه، وصار يعظِّمه ويعرف قدره.

ويحكى عنه: إنه أتاه رجلٌ شاكيًا من ديَنٍ ركبه, وهو خمسمائة درهم. فقال له: اذهب، فتسلِّفها من بعض التجار, وأضمنها عنك، فأتي رجلٌ، فاستقرض منه الخمسمائة درهم وضمنها أبو محمد إلى أجلٍ معلومٍ. فلما جاء الأجل, جاء صاحب المال وطلبه، فقال له أبو محمد: نعم غدًا إن شاء الله تعالى تقبضها، ودخل مصلاهُ، واشتغل بعبادة ربه، ثم من الغد جاءه الرجل، فقال له: اذهب إلى المسجد, فإن وجدت فيه شيئًا فخُذْه. فذهب فدخل المسجد, فوجد فيه صرة فيها خمسمائة درهم ونصف, فرجع إليه، وقال: يا أبا محمد! تزيد، قال له: اذهب فهى لك. 


وحدَّث أيضًا صاحب الصفوة: أن رجلاً أتى حبيب العجمي, وقال له: لي عليك ثلاثمائة درهم. فقال له أبو محمد: إلى غدٍ إن شاء الله، فلما كان الليل قام إلى صلاته, وقال: اللهمَّ إن كان صادقًا فأدعني ماركبني من دينه, وإن كان كاذبًا فابتليه في بدنه, فلما كان من الغد جيء بالرجل محمولاً، وقد ضربه الفالج, فقال له أبو محمد: مالك؟ قال له: أنا الذي جئتك بالأمس ولم يكن لي عليك شيءٌ، وإنما قلت: تستحي من الناس، وتعطيني، وأنا تائبٌ مستغفرٌ, فقال له حبيب: لعلك تعود، قال: لا أعود أبدًا لمثل فعلتي, فقال أبو محمد حبيب: اللهمَّ إن كان صادقًا، فألبسه العافية، فقام الرجل يمشي على رجليه, وكأنما كان ذلك البلاء ثوبًا طرحه عنه في الحين، ولم يكن به بأس أصلاً. 

وقال صاحب الطبقات: إن حبيبًا كان من أهل الخطوة، وممن تُطوى له الأرض، وذكر ما قدَّمنا من أنه كان يُرى يوم التَّروية بالبصرة، ويوم عرفة بعرفات. 

ويحكى: إنه آتاه سائلٌ فسأله ولم يكن عنده إلا العجين طرحته أهله ليختمر, فقال له: احمله فأتته أهله، فقالت: وأين العجين ؟ فقال لها: ذهبوا به ليخبزوه فاسترابت, فألَحت عليه, فقال لها: أعطيته لسائلٍ أتى ولم يكن عندنا ما أعطيه، قالت له: سبحان الله تؤثره وتتركنا؟ قال لها: يفتح الله, فبينما هي كذلك وإذا بقومٍ أتوا بصحفةٍ كبيرةٍ من ثريدٍ ولحمٍ سمينٍ, فقال لها: ترى ما عوضك الله جلَّ جلاله.



إرسال تعليق

0 تعليقات