-->
recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

كتاب : الحقيقة القلبية الصوفية / أحمد لسان الحق(28).

والمعرفة القلبيّة تبتدئ بالانتقال - باطنيّا - من غفلة النفس ، التي تغطّي البصيرة ، وتحول دون الشعور بالمعاني القلبيّة ، إلى يقظة القلب ، التي هي مصدر المعاني الباطنيّة ، والمعرفة الربانيّة . واليقظة القلبيّة لا تتعلّق بالأعمال الظّاهرة والواجبات الشرعيّة ، التي يستوي أمامها المتيقّظ والغافل . وإنما تعني طهارة القلب ، وصفاء السريرة ، وكشف غشاوة الغفلة عن البصيرة . وهي من أوصاف الأولياء والعارفين ، الذين هم أيضا من الموحّدين ، إلاّ أنّ العارف يمتاز عن الموحّد - وهما معاً في بحر التوحيد - بأنه إذا وقع له الفتح ، وكشف لهالحجاب ، يشعر ذوقياً بوجود الحقيقة في قلبه . وبها يشاهد ما يشاهد في ملكوت الله ، والموحّد يحملها ولا يشعر ذوقيّا بوجودها . غاب عنها بنفسه ، ولم تغب عنه ، كشمس حقيقة موجّهة للجميع . وصدق الله العظيم إذ يقول :(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) والحبل الوريد - كما تقدم - عرق في وسط القلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ إلخ) والفطرة الطّاهرة - كما تقدّم - هي الأرض المعنويّة ، التي تنبت فيها الحقيقة القلبيّة . وقد ولد معها كلّ إنسان ، فتُجْلَى بالتربيّة الروحيّة وصحبة الأولياء العارفين ، أو تضيع كما يضيع الذهب الذي يجهل معدنه .

إذاً ، العارفُ بالحقيقة الإلهيّة ، هو الذي يشعر بوجودها ، ويتلقّى إمداداتها ، والغافل عنها - وإن كان مُوحّدا - هو الذي يحمل مصدرها وطينتَها ، فغاب عنها ، ولم يشعر بوجودها ، ويحرم من إمداداتها.. فكان مصدر العلم بالحقيقة هو الشعور المعنويّ النورانيّ ، الذي يوجد عند العارف ، وليس الشعور الماديّ الذي يوجد عند الغافل ، وإن كان من أعقل العقلاء . ومِن دعاء أصحاب الحقيقة الصوفيّة :"اللهمَّ ارْزُقْنَا الشُّعور بك" وقد ربطوا علم الحقيقة بالشعور ، وضربوا المثل للعارف الذي فتح عليه ، والموحّد الذي لمّا يفتح عليه بِحُوتَة وقع لها الشعور ، وأخرى لم يقع لها . وهما معا في البحر ، فقالت التي لم يقع لها الشعور للتي وقع لها : أين يوجد البحر الذي يُتحدّث عنه ؟ فأجابت : يا حمقاء إنه هو الذي نحن فيه.. إنها حمقاء هي في البحر وتجهله.. وأكثر منها حماقة مؤمن يعيش في بحر العناية الإلهية ، ويقرأ (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) ولا يشعر بوجوده ، ولو بدوام مراقبته تعالى . فكانت المعرفة الإلهية ، تبتدئ بالفرق بين غفلة النفس ، ويقظة القلب.. ويقظة القلب تعني الفتح الأصغر ثم الأكبر ، ثم إلى ربّك المنتهى... وقد سألتُ شيخاً لنا من العارفينعن معنى الفتح ، فقال : الفتح يعني الانتقال - باطنيّاً ومعنويّاً - من عالم الغفلة إلى عالم اليقظة ، ويعني كشف حجاب الغفلة عن البصيرة ، كما ينتقل النائم - حسيّاً وماديّاً - من عالم الغيبوبة النوميّة إلى عالم اليقظة الحسيّة ، ووجه الشبه أنّ الغفلة تُغِيب عن المعنى ، والنوم يغيب عن الحسّ ، مع الفرق بين اليقظة في عالم الأرواح ، واليقظة في عالم الأشباح .



وأقوى دليل على أن معرفة الله من فعل القلب ، وليست من فعل العقل ، قول الإمام البخاري : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :(أنَا أَعلَمُكُمْ بالله ، وَأَنَّ المَعْرِفَةَ مِنْ فِعْلِ القَلْبِ)(110) وفي الباب حديث عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال : (أنَا أَتْقَأكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) فكانت التقوى ملازمة للمعرفة ، إذ لا معرفته تعالى بدون تقواه..وأعلمكم بالله ، ينصرف إلى حقيقته وأسرار ذرعه ، وترتَّب عنه الفرق بين العلم بالله ، لا إلى شرعه الذي عليه نزل .



ولقد تقدّم الفرق بين العلم بالله والعلم بشرعه ، وترتّب عنه الفرق بين العالم بالله ، والعالم بشرعه . والعالم بالله وبشرعه فكان العلماء ثلاثة ، كما تقدّم فيما نقله الإمام ابن تيميّة . وأوّل عالم بالله وبشرعه بالأصالة هو مولانا رسول الله . وإذا كانت معرفةُ مابه يُعبد الله - كما تصحّ به الصلاة -من فرض عيْن ، فمعرفة ذاته تعالى من فرض كفاية .وبناء على ما فسَّر به ابن عباس قوله تعالى :(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليعرفوني ، قد كانت العبودية له تعالى مدعاة إلى معرفته . على اعتبار أنّ العبد المخلص المقرَّب من مولاه ، هو الذي يعرِّفه بأسرار ذاته ، ويعرف حقيقته . فيكون المصير الذي خلق الإنس والجنّ من أجله هو تحقيق العبودية له تعالى ، كي يعرفونه ولا يجهلون حقيقته . وأقبح جهل أن تجهل أمّة محمد خالقها . وفي الموضوع يقول الحافظ بن حجر : قال إمام الحرمين :"أجمع لعلماء على وجوب معرفة الله تعالى"(111) .


ومن باب قياس صورة على صورة ، وليس من باب قياس حكم فرعيّ على أصليّ - ما دامت القاعدة الأصوليّة تفرض وحدة موضوع الحكم ، وتقول : لا قياس مع وجود الفارق - نخرج عن باب قياس الأحكام إلى باب قياس الصور ، ونتسائل أمام ما نقله عبد الحيّ الكتّاني عن الفقه الحبشيّ أنّه قال :"عدّ العلماء الزراعات من فرض الكفاية في كثير من المصنّفات ؛ لأنّه لا يقع الدّين والدّنيا إلاّ بها ، وإن تركها النّاس أَثموا كلّهم" (112) وهل يقع الدّين والدّنيا بدون قدرة الله وعنايته ؟ وهل يصحّ أن يهتمَّ المؤمنون بالله بمعرفة أساليب الزراعة لتوقف قيام الدين والدنيا عن الإنتاج الزراعي ، ولا يهتمّوا بوسائل معرفة الذي ينبتها ؟ وكيف تنصرف هممهم إلى إجراء التجارب العلميّة من أجل معرفة الأرض الخِصبة من الضعيفة ، ولا تنصرف إلى إجراء التجارب الروحيّة من أجل معرفة خالق الخصبة والضّعيفة ؟ وإذا عرفنا أن الزراعات من فرض الكفاية ، فَما نقله الحافظ ابن حجر عن إمام الحرمين من إجماع العلماء على وجوب معرفة الله بالنسبة للأمّة ، لا بالنسبة لكل فرد فرد ، بأن يكون فيها من يعرف الله ، ويعرِّف به ، يدلُّ على أنّ الذي يُنْبِتُ الزراعة سبحانه وتعالى أولى باعتبار معرفته من فرض الكفاية . وإذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما به يعبد الله :(طلبُ العلم فريضةٌ على كلّ مسلم ومسلمة) فما يعرف به أَولى بالاعتبار ، إذ لا يعبد المجهول . وإنما يعبد المعروف ، كما سيأتي في كلام الإمام عليّ . إذاً من الواجب كما قال إمام الحرميْن ، أن يسجّل في أول لائحة المعارفة معرفة الذي بقدرته وعنايته ينزل المطر ، وينبت الزّرع ، ويقوم أمر الدّين والدّنيا والآخرة ، وإن تركها كلّ المؤمنين ، بصرف قلوبهم عن مصدرها ، أثموا كلهم ، وأمّا حديث من عرف نفسه عرف ربّه ، فما قيل حوله من طرف علماء الشريعة ، يوضع - كما تقدّم - في إطار التوحيد ، وإقامة البراهين على وجود الله ، ولا يرتفع إلى مستوى المعرفة القلبيّة .

ولعلّ أقرب معنى إلى "من عرف نفسه عرف ربّه" أنّه إشارة إلى أنّ المؤمن لا يصل إلى معرفة ربّه بالعقل السّابح في العالم الخارجي ن ولا يصحّ ان يبحث عنها خارج ذاته . وإنّما في باطنه ، ومن قرارة نفسه ، إذا عرف ما أودعَ الله بداخلها من البذور المعنويّة ، والمؤهلات الفطرية : إذا عرفها ، وتحقّق أنّها مصدر المعرفة ، اقتفى أثرها إلى معرفة ربّه . ومن ثمَّ فالعقل الذي يعمل على مستوى الحواس ، ويجول في عالم الفكر ، يُعتمد فقط في تصحيح العقيدة والإيمان . وأمّا المعرفة القلبيّة ، فتدرك بالبصيرة المفتوحة.. وأساسها اللّطافة الربانيّة المودعة في قلب المؤمن ، والمركَّبة في نفسهأي في ذاته . وهي التي توصفبمقام الإيمان والإحسان.. فإذا اكتشف حقيقة من هو في المعنى ؟ وعرف ما تحمل ذاته ، وما تكنز من مؤهلات فطريّة معنويّة نورانيّة ، كمواد خام روحانيّة ، مرتبطة أصلا بعالم الأرواح ، دخل بها إلى معرفة ربّه ، وأدرك معنى ( من عرف ربّه عرف نفسه) .

إذاً بطهارة القلب ، وصفاء السريرة ، وفتح البصيرة ، واكتشاف الكنز المعنويّ الرُّوحانيّ النورانيّ في ذاته ، يعرف المؤمن حقيقة نفسه . ومن خلال معرفتها يعرف حقيقة ربّه ، وبفساد الباطن ، وقساوة القلب ، وخبث السريرة ، وطمس البصيرة ، تُلقي عليه الغفلة بظلمتها ، فيجهل حقيقة نفسه ، ويجهلها بجهل حقيقة ربّه . وإذا صحَّ أن يقال : (من عرف نفسه عرف ربه) صحّ أن يقال : من جهل نفسه جهل ربّه... فاتّضح أن معرفة الله من ميادين الارواح ، وليست من ميادين العقول ، وتكون قريبة من أصحاب القلوب المعنويّة أكثر من العقلانييّن والمفكّرين ، وأنّها لا تقع إلا عن طريق الإنابة منه وإليه تعالى ، وتنزل من السماء إلى الأرض ، تفضّلا وتكرّما منه تعالى على من شاء من عباده المخلَصين (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (113) .

ولقد سئل أبو بكر الصدّيق : بماذَا عَرَفْتَ رَبَّك ؟ فأجاب :"بِرَبِّي عَرَفْتُ رَبِّي ، وَلَوْلَا رَبِّي مَا عَرَفْتُ رَبِّي" فبه عرفه ، لا بعقله أو عمله.. إنه تعالى هو الذي يعرّف من شاء بحقيقة ذاته . وليس في مقدور العبد الضعيف أن يعرفها أو يعرِّف بها بدون إرادته تعالى.. والعبادة الحقيقيّة هي المعرفة ، أو المعرفة هي العبادة الحقيقيّة ؛ لأنهما معاً في القلب . وقد سأل دِعْلِبْ الإمام عليا : هل رأيتَ ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فأجاب :"أَفَأَعبُدُ مَنْ لا أَرَى ؟" فقال دعلب : وكيف تراه ؟ قال : "لا تراه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه العقول بحقائق الإيمان" مكان حقائق الإيمان هو القلوب ، وليس العقول . وإذا لم يكن النص في أَصله ، تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، فالعقول المدركة بحقائق الإيمان ، ليست بعقول ماديّة مظلمة ، وإنما هي قلوب معنويّة نورانيّة عاقلة.. تقرأ آيات المكوِّن على صفحات أكوانه . وإلى ذلك يشير قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (114) إنّ الأعمى البصر المفتوح عليه باطنيا ، يشاهد الحقيقة بعين قَلبه ، والأعمى البصيرة المحجوب بغفلة نفسهوأوهامها لا يشاهدها ، وقد يجاحد عقلا في وجودها . وفي ذلك تقدّم قول حاجي خليفة في علم الحقيقة الصوفيّة: 

وﻟﻴﺲَ ﻳﻌﺮﻓُﻪ ﻣَﻦ ﻟَﻴﺲَ ﻳَﺸﻬَﺪُهُ 
وﻛَﻴْﻒَ ﻳَﺸْﻬَﺪُ ﺿَﻮْءَ اﻟﺸَّﻤْسِ مَكْفُوفُ ؟ 

**    **     **
110 - البخاري : نسخة الفتح 76/1
111 - فتح الباري 77/1
112 - التراتيب الإدارية 45/2
113 - سورة يس : 83
114 - سورة الحج : 46



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016