الخميس، 31 مايو 2018

الفتوحات القدسية في شرح قصيدة في حال السلوك عند الصوفية المسماة (القصيدة النقشبندية)



ولمّا كان الأدب أساس الصحبة وغايتها وبه يُنال عليُّ الدرجات ورفيعُها وبه ساد مَن حصلت له السيادةُ كما سيأتي أشار إلى بيان ذلك فقال :

أَخلِصْ وِدادَكَ صِدْقاً في مَحَبَّتِهِ
والْزَمْ تَرَى بَابَهُ واعْكِفْ بِنَاديهِ

الإخلاص في اللغة مصدر خلص الشيء يخلص خلوصاً أي صار خالصاً من الكدر . قال الشيخ ابو حامد الغزالي :"اعلم أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشُوبَهُ غَيْرُهُ فَإِذَا صَفَا عَنْ شَوْبِهِ وَخَلُصَ عَنْهُ سُمِّيَ خالصاً ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصاً قال الله تعالى: ( من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين) فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به"

وقال الشيخ أبو طالب المكّي رضي الله عنه : "حقيقة الإخلاص سلامته من وصفين؛ وهما: الرياء والهوى، ليكون خالصًا كماوصف الله تعالى الخالص من اللبن، فكان بذلك تمام النعمة علينا، فقال: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لبََناً خَالصاً) النحل: 66، فلو وُجد فيه أحدُ الوصفيْن من فرث أو دم لم يكن خالصًا، ولم تتم النعمة به علينا ولم تقبله نفوسُنا، فكذلك معاملتنا لله عزّ وجلّ إذا شابها رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس، ولم تكن خالصة لم يتم بها الصدقُ والأدبُ في المعاملة ولم يقبلها الله تعالى منّا".

وفي الاصطلاح فهو إفراد الله بالأعمال الصالحة كما قال أبو يعقوب السوسي ، وقد تنوّعت عباراتهم وتفننت في حقيقته ، وجميع ذلك توسّعٌ في العلم وتفنُّنٌ وإلا فمرجع الجميع لما ذكرنا . وقد قال مولانا وهو أصدق القائلين :(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وحقيقته لا يدركها إلاّ العلماءُ بالله الذين شأنُهم البحثُ عن دقيق عيوب النفس . وقد ورد في الخبر أنّه سرٌّ من أسرار الله بين العبد وربّه فلا يطّلع عليه مَلَكٌ فيكتبه ولا شيطانٌ فيفسده ولا نفسٌ فتستولي عليه ، وأمّا عبادة مثلي فهي على الحرف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

   وعلامته ثلاث : استواء المدح والذَّمّ من العامَّة ، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، وعدم اقتضاء ثواب العمل في الآخرة. وهو على ثلاث مراتب: إخلاص العامّة، وإخلاص الخاصّة، وإخلاص خاصّة الخاصّة ، والكل مبسوط في كتب القوم ، فمن أرادَ التفصيل فعليه بمظانّه ، على أنّي أجمع لك جميعَ ما عندهم في ذلك استنباطاً من قوله تعالى :(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)وبيان ذلك:

  ثمَّ إنَّ من جُملة ما أمرنا به إفرادَ الله بالمعاملة لقوله تعالى :(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) فمن أفرد العمل لله فقد أخلص في الامتثال أيضاً ، وهذا إخلاص الخاصة .
   ومن جملة ما أمرنا به تنزيه القلب عمّا سوى الله ، بالتبرّي من الحول والقوّة ، فمن طهّر قلبه من دنَس ذلك فقد أخلص ، وهذا إخلاص الخاصّة ، فافهم .
والوداد صفو المحبة.
والصدق له معنيان : النية ، والعزم والتصميم ، والكل يصحّ هنا لمن تأمّل وإن كان الظاهر هو الثاني .

والمحبّة لغة غليانُ القلب وثورانه عند العطش الشديد والاهتياج إلى لقاء المحبوب . وقد اختُلِفَ في اشتقاقه وتسميتِه.

- فقال بعضهم : إنه مشتقّ من حَبَبَ الأسنان وهو صفاؤها ونضارتُها لأنّ العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان .
وقيل : الحَبَب ما يعلو من الماء عند المطر الشديد ، والحدُّ المتقدّم يناسب هذه الاشتقاقات.
- ويقال : اشتقاقه من اللزوم والثبات : يقال أحبّ البعير إذا استناخ ولم يبرح ، قال تعالى :(إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) ، أي لصقتُ بالأرض من حُبِّ الخير ، فعلى هذا الحد كأنّ المحبّ لا يبرح شهود محبوبه واشتياقه إليه .
- وقيل : مأخود من الحُبّ الذي فيه الماء وهو الخابية ، فارسي معرّب ، لأنه يُمسك ما فيه ولا يَسَع غيرَ ما امتلأ به ، فعلى هذا كأنّ المحبّ مشغول بما فيه على الدوام من شدّة العشق والصبابة فهو مشغول عن جميع الكائنات والممكنات . وأيضاً لكون الحِبّ يصفو فيه الماء ويَروق وينزل كَدَرُه إلى قعره ، فعلى هذا يكون الحب خلوص القلب وصفاؤه عن كدورات العوارض فلا غرض له ولا إرادة له مع محبوبه.
- وقيل : إنّ للقلب حَبّة هي باطنُه عليها تعلق المحبّة ومنه سمّيت محبّة كأنّ اشتقاقها من حبّة القلب ، وهي التي يقال لها سُويداه ، والميم في الأسماء قد تُزاد للمبالغة في الوصف.
- وقيل : أصله من الحب وهو القرط يسمّى حبّا لقلقه واضطرابه وتقلّبه في الأيدي.
- وقيل : غير هذا ممّا يعلم بالوقوف عليه فيكتب اللغة . وقد ألمَّ العلاّمة الصفدي في الغيث المسجّم بشيء من ذلك مع كلام الحكماء ممَّا لا ينبغي لنا التعرض إليه ، عند قول المصنّف الطغرائي : فالحب حيث العدا والأسد رابضة .
هذا ما يتعلّق بهذا اللفظ من حيث اللغة والاشتقاق .

   وأمّا في الاصطلاح فقد اختلفت عباراتُ القوم فيها ، وإنما يُعبّر عنها من وراء وراء. 
   قال القسطلاني رحمه الله في "المواهب اللدنية" بعد كلام :""وقد اختلفوا في المحبّة، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة ترجع إلى اختلاف مقال وإنما هي اختلاف أحوال، وأكثرها يرجع إلى ثمراتها" . وقد قال بعض المحققين :"حقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحدّ وإنما يعرفها من قامت به وجداناً ، لا يمكن التعبير عنها".
   وكذا قال صاحب "مدارج السالكين" تبعاً لغيره :"لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضحَ منها؛ فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وجفاءً، فحدُّها وُجُودُها، ولا توصف المحبة بوصفٍ أظهرَ من المحبة، وإنما يتكلم النّاس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم، ورسومُهم دارت على هذه السّتة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الأذواق".

   وقد وضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمّى غاية المناسبة: الحاء التي هي من أقصى الحلق، والباء الشفهية التي هي نهايتُه، فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلّقها بالمحبوب ، فإنّ ابتدائها منه وانتهائها إليه. وأعطوا الحبّ حركة الصمّ التي أشدّ الحركات وأقواها مطابقة لشدّة حركة مسمّاه ، وأعطوا الحِبَّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفّتها من الضمّ وخفة المحبوب وذكره على ألسنتهم وقلوبهم . فتأمّل هذا اللطف والمطابقة العجيبة بين الألفاظ تطلعك على قدر هذه اللغة ، وإنّ لها شأناً ليس لسائر اللغات.

   ثمّ إن المحبّة قد قيلت فيها رسوم وحدود بحسب آثارها وشواهدها ونحن نذكر البعض بقدر ما تمس الحاجة إليه :
- فمنها: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب ، وهذا موجبها ومقتضاها .
- ومنها : محو المُحب لصفاته وإثبات الحبيب لذاته ، وهذا من أحكام الفناء في المحبّة ، وهو أن تفنى صفات المحب وتبقى صفاتُ محبوبه وذاتُه ، وهذا يستدعي بياناً أتمّ من هذا ، لا يدركه إلاّ من أفناه وارد المحبّة عنه وأخده منه .
- ومنها : استقلال الكثير من نفسك واسكثار القليل من حبيبك ، وهذا لأبي يزيد البسطامي ، وهو أيضاً من موجباتها وأحكامها وشواهدها ، إذ المحب الصادق لو بذل جميع ما يقدر عليه [من مال وولد وروح] لاستقلّه واستحقره [وأتى إليه معتذراً يجرّ ذيل حياته] ، ولو نال من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه ، [شتّان ما بين ما تبذله وبين ما يعوضه].
- ومنها : استكثار القليل من جِنايتِك واستقلال الكثير من طاعتك ، وهذا قريب ممّا قبله ، لكنّه مخصوص بالمحب [بخلاف الآخر].
- ومنها : معانقة الطاعة ومباين المخالفة ، وهو أيضاً لسهل بن عبد الله ، وهو حكم المحبّة وموجبها [كما لا يخفى].
- ومنها : أن تهبَ كلَّك لمن أحببتَ فلا يبقى لك منك شيء ، وهو لسيدي أبي عبد الله القرشي ، وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها ، والمراد أن تهَبَ إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تُحبُّه وتجعلها حُبُساً في مرضاته ، ولا تأخد منها إلا ما أعطاكه فتأخده منه له .
- ومنها : أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب ، وكمال المحبّة يقتضي ذلك ، فإنه مادامت لك في القلب بقية لغيره وتسكن لسواه فالمحبّة مدخولة .
- ومنها : سُكر، لا يصحو صاحبُه إلاّ بمشاهدة محبوبه.
وفي المقصد لأبي الحسن الشاذلي حاكيا عن أستاذه مولانا عبد السلام رضي الله عنه: "المحبّة أخدت من الله قلب عبده لما يكشف له من نور جماله وقدس كمال جلاله".

فكل هذه الرسوم والحدود إنما هي بحسب ما ذكرنا من موجباتها وأحكامها وقِس عليها ما نذكر من الرسوم .

سُئل الجنيد عن المحبّة فقال : دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المُحب .
وقال جمال الدين القاشاني : المحبة ميل الجميل إلى الجميل في بداية المشاهدة كما ورد : إنّ الله جميل يحبّ الجمال .
وقال أبو عبد الرحمان السُّلمي : سمعت النصر بادي يقول : المحبة على نوعين : محبّة توجب حقن الدماء ومحبّة توجب سفكَه بأسياف الحب :
وقال الشبلي : سُمّيت المحبّة محبّة لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب .
وقال زروق : المحبّة أخد جمال المحبوب بحبّة القلب حتى لا يمكنه الالتفات لغيره ولا العمل بغير ما فيه رضاه إيثاراً له على ما سواه .
وقال شيخنا مولانا عبد الواحد الدباغ رضي الله عنه : المحبّة نار لا تُبقي ولا تذَر ، يعني لا تبقي مع المحبوب سواه ولا تذَر المحب يلتفت لغير مولاه .
وقال العارف بالله سيدي المهدي بن القاضي في كتابه "إثمد الأحداق" : ويخالج صدري أنّ المحبّة اتصال بلا انفصال ، وخروج من لوث الصلصال بنعت استهلاك وجود المُحب في وجود الحبيب حتى لا يبقى له معه اسم ولا رسم ولا عين.
قال أبو بكر الكتاني :جرت مسألة في المحبة بمكة فتكلم فيها المشايخ وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا : هات ما عندك يا عراقي. فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوارُ هويته ، وصفا شربه من كأس ودّه ، كشف له الجبار عن أستار غيبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله . فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد ، جزاك الله يا تاج العارفين .
وقيل : المحبة أوّلها يحبّهم ، وآخرها يحبّونه ، وبينهما مُهَجٌ تذوب وأرواحٌ تطير إلى المحبوب .
   
   الحاصل أن إشارات القوم رضي الله عنهم تنوّعت بتنوّع الأذواق وكل واحد عبّر عنها بل أشار بحسب وجدانه بما أعطاه مقامه ، ولا نزاع بينهم ، ومجموع ما أشاروا إليه محتد المعنى ، والخلاف لفظي وقد دلّت هذه الإشارات بمنطوقها أنّ أمر المحبّة عظيم واقتحام الدخول في ميدانها جسيم ، ولذلك لمّا قيل للشبلي : ما بال المحبّة مقرونة بالمحنة ؟ قال : "لئلاّ يدّعيها كل سفيه" . وتذاكر قوم في المحبة عند ذي النون فقال : كفوا عني هذه المسألة حتى لا تسمعها النفوس فتدّعيها.

   واعلم أن الله تعالى يوصف بمحبة عبده والعبد يوصف بمحبّة ربّه كم أفصح بذلك الكتاب والسنة . فمحبّته سبحانه لعبده خصوص من عموم رحمته ، ورحمتُه خصوص من عموم إرادته ، فالإرادة جامعة لمعاني الإرادات من الحبّ والبغض والرضى والسخط والقرب والبعْد ، وكل ذلك متعلّق بالإرادة وبالإرادة أوجد ، وإنما الاختلاف في متعلّقاتها ، فإذا تعلّقت إرادته بالتوبة تسمّى رحمةً ، وإذا تعلّقت بالعقوبة تسمّى غضباً ، وإذا تعلّقت بالزلفى والتخصيص تسمّى محبّة .

   والفرق بين المحبّة والرحمة أنّ الرحمة إرادة البر واللطف ، والمحبّة إرادة القربى والزلفى والكرامة .
وقال بعضهم: "إنّ محبة الله لعبده هي مدحه والثناء عليه فتكون محبته له قديمة، لأن مدحه قوله وقوله كلامه وكلامه قديم". وقيل: إنها من صفات فعله، لأنها إحسانه إليه وإنعامه عليه، وهذا محدَث فتكون محبّته له محدَثة . وتوقّف بعضهم وقال : هذه صفات الأخيار لأن الله تعالى أخبر بذلك، فلا يعلم ما هي.
وسئل الجنيد عن المحبّة : أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال ؟ فقال: "إن محبة الله لها تأثير في محبوبه بيّن ، فالمحبة نفسها من صفات الذات ، ولم يزل الله محباً لأوليائه وأصفيائه ، فأمّا تأثيرها فيمن أثّرت فيه فإنّ ذلك من صفات الأفعال ، فاعلم ذلك" .
وأمّا محبة العبد لربه فهى لطيفة يعجز عنها اللسان ويعجز عن تحقيقها الإنسان، وتحمله تلك الحالة على ترك الحظوظ وإيثار الحقوق فيترك مُراداته لمراد محبوبه .


Rea es:
شارك هذا

المؤلف: /

0 coment rios: