الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون (5)

قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : "اشتهر هذا الاسمُ قريبٌ المئتين من الهجرة" ثم تتابعوا جيلًا بعد جيل، وأمَّةً بعد أمة، يهتدي الخلفُ منهم بالسلف، ويؤدي ما لُقن عن شيوخه لمَن وفَّقه الله من أتباعه، وصار فقه الشريعة على نوعين : فقه الظاهر ؛ وفقه الباطن. الأول فقه الظاهر، وهو معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال الجوارح فيما يخصُّ المكلَّفين في أنفسهم، أو يعُمَّهُم من عبادات وعاداتٍ، وغيرها من الأفعال الظاهرة، وهذا هو المسمَّى بالفقه في المشهور، وحاملهِ الفقيهِ، وهم أهل الفُتْيا وحَرَسَةِ الدين. 

النوع الثاني : فقْهُ الباطن، وهو معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال القلوب، وما يخصُّ المكلَّفُ في نفسه من أفعال الجوارح في عبادته وتناوُلِه لضرورياته، ويسمّى هذا فقهُ القلوب وفقه الباطن، وفقه الورع، وعلمُ الآخرة، والتصوف.

وكثرت العناية بالنوع الأول الذي هو الفقه لعموم البلوى، واحتياج السلطان والكافَّة لمنصب الفُتْيا، فكثُرَ ناقلوه في كل عصرٍ، وتعدّدت فيه الموضوعات. وبقي النوع الآخر الذي هو الاهم على كل أحد في نفسه قليلًا أو مهجورًا، وربّما خشِيَ بعض علمائه لأجل ذلك ودروسه وذهاب أهله، فَيُجْهَلُ حكمُ الله في أفعال القلوب وحركات البواطن التي هي أهم على المكلفِ، وأقربُ به إلى النجاة، فكتبوا في ذلك مصنّفات من أمهات الإفادة، وإن كانت لا تتَعدَّدُ ،كما فعله ابن عطاء، والمحاسبيُّ في كتاب الرعاية وتابعهما الغزّالي في كتاب الإحياء.

ثم إن نظر الفقيه ونظر المتصوِّف على التفسيرين المذكوريْن يجتمعان فيما يخصُّ المكلفُ في نفسه من أفعال الجوارح في عبادته، وتناوُله لضرورياته. ويمتاز المتصوِّف والمتورِّع بالنظر في أفعال القلوب واعتقاداتها وتلوناتها يميز المحموذ من المذموم،والمنجية من المهلك والداء من الدواء، ويمتاز الفقيه بالنظر فيما يعم المكلفين من المعاملات، والأنكحة والبُيوع والحدود، وغير ذلك من أبواب الفقه. 

وفرَّقَ الغزالي بين نظر الفقيه والمتصوف فيما ينظُران فيه من العبادات والمتناولات، بأنّ نظر الفقيه من حيثُ يتعلّق بمصالح الدنيا ، ونظر المتصوف من حيث يتعلّق بمصالح الآخرة.

قال : لأن نظر الفقيه في العبادات التي رأسها الإسلام إنما هو من حيث إنها هل تصح فتكون مجزئة ولا يقع بها الامتثال فلا يسقط القضاء أو من حيث يمتنع ُمن الأداء فيباح دمُه، أو يؤدي فيعصم دمُهُ، وكذا نظره في الحلال والحرام إنما هو من حيث أنه تصرّف في مال الغير، فهل ينتزعُ من يده لمستحقّيه شرعا أم لا ؟ وما يترتّب على ذلك من آثار سقوط العدالة أو ثبوتها، وهذه كلها أمور دنيويّة.

قال : والمتصوف ينظر في ذلك كله من حيث إنها حزازات للقلوب مؤثرة في الاستقامة التي هي أصل النجاة، فيرى أن الصلاة لمّا كانت عبادة وأصلُها التوجه بالقلب، فإنما يبقى منها زادًا للآخرة ما حضره القلب، لا ما غاب عنه. قال صلى الله عليه وسلم : (وإنّما له من صلاته ما عقل منها)، وقال : (إن الرجل ليُصلِّي الصلاة ليسَ له نصفها، ثلثها، ربعها، إلى عُشُرها) . وكذلك الإسلام الذي هو إقرار واعترافٌ، ما لم تقع صورةُ ذلك في القلب حتى يظهر أثر الاعتراف على الجوارح بالتسخير في الطاعة، وإلا فلا أثر له في الآخرة. وكذلك الحلال والحرام إنما في كل قطر لبسوا المخالفات، وانحطاط النفوس في متابعة الأهواء وطاعة الخواطر، حتى صار طريقهم ثقيلا على القلوب لمخالفة الجبلة الطبيعية،وإرسال العَنان في الشهوات الملائمة، واستيلاء المطامِع والأمنيات في النجاة بالأعمال الظاهرة،مع أن الجمهور يرونهم بعين التجلة ،ويغبطون البضائع الخالصة لهم عن الأهواء والأفئدة ، عقائد إسلامية لقنوها وتدارسوها ، ومحبة بالطبع في الزكاء والخير لوساعدت العزائم عليها ، فلا يختلج في نفس مسلم عقل أبويه يدينان الدين إلا أن الحق في طريقهم والهدى في اتباعهم ،غير أن فقد الأعوان وقلة المساعدين مدعاة إلى الكسل وسلم إلى البطالة ، والنفوس أبدا مع الجم الغفير، وتقليد الآباء ومشيخة العصر في القول والعمل ،ولو استيقنت السعادة في طريق الخواص ،لولوعها بحب العاجل الذي آثروه، وركونها إلى ما ألفته وألفوه، وتعللها بالأماني فيما تؤمله من الاستقامة والرحمة الكفيلة بالنجاة، ولعل الله سبحانه مصدق ظنونهم ويرحم مسكينهم فقد قال صلى الله عليه وسلم :(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ) وقالت عائشة رضي الله عنها : (يحشر الناس على نياتهم). ومن أنعم بالوجود الأول والرحمة السابقة فلعله ينعم في الوجود الآخر بالرحمة اللاحقة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

صفحة البداية               << السابق              التالى >>


Rea es:
شارك هذا

الكاتب:

0 coment rios: