نفحات الطريق  نفحات الطريق

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

كشف الغطاء في طريق الصوفية / ابن خلدون (18)

ويجب أيضًا على الشيخ التَّحفظ، فهو موضع الخطر العظيم، فقد يغلِبُ عليه خيالٌ من الخيالات فيشتغلُ بالبطالةِ، ويسلكُ طريقَ الإباحة، ومن تجرّد لهذا الذكر لم يَخْلُ عن هذه الأخطار، وكذلك قد يَعْرُضُ له العُجْبَ بنفسه أو الفرحُ والقُنُوُع بما ينكشفُ ويبدو من أوائل الأحوال والكراماتِ، فيكونُ فتورًا في الطريق وقاطعًا، بل ينبغي ملازمةَ عمله عُمُرَهُ كلَّه ملازَمةَ العطشانِ الذي لا تُرويهِ البِحَارْ، ورأسُ مالِهِ الانقطاعُ والخَلْوَةُ، فإذا سَلِمَ من هذه العوائق كُلِّهَا وحصَلَ قلبُهُ مع الله انكشفَ له جلال الحَضْرَة، وتجلّى له الحقُّ، وعَظُمَ الفرحُ والَّلذَّة، وطارَ به السُّرورُ، وظهرَ من لطائف الله ما لا يُحيطُ به وَصْفُ وَاصفٍ.

 وأعظم القواطع بعد رفع الحجاب أن يتكلَّم به، أو يتصدَّى للنُّصحِ والتذكيرِ، فتجدُ النفس لذّة الرئاسةِ بالتعليمِ والاستشهادُ بالسُّنة، والاصغاء إليه بالقلوبِ والأسماعِ، وتَمَوَّه علَيْهِ بأنه هادٍ إلى الله، أو يَفترُ عن العمَلِ والإلحاحِ عليه الذي هو وسيلةٌ إلى هذا التَّجلي لِمَا يَظُنُّ من الاستغناءِ عن الوسيلة ِبالمَقصَدِ فيَضعُفُ التَّجلي، ثم يَنقَطِعُ ويَنْزِلُ الحجابُ، فيقعُ بسبب هذه القواطِعِ في بَحْرٍ من الهلاك لا ساحل له.

وما عرض له لذلك كله إلّا طلب المشاهدة. فلو اقتصر على الاستقامة وأخَّر المشاهدة إلى محلها بوعد الصدق، وهو دار الجزاء، سَلِمَ من هذه الأخطار المهلكة - عصمنا الله بفضله - فهذه مجاهدات القوم، وكانت الأولى كما قدمنا هي المخصوصة باسم التَّصوُّف، ثم لما دعتهم هممهم إلى منازِل الأبرارِ ومقاماتِ الصِّدِّيقين عَكَفُوا على مجاهدة الاستقامَة، ومن نَزَعَ منهم إلى السعادة الكبرى طلب مجاهدة الكشف، فغلَبَ استعمالُهُم اسم التَّصوُّف في هاتين المجاهدتين. ثم اقتضى التعليم والمفاوضة في المجاهدة الخاصة المنفرِدَة عن الجمهور الانفرادُ باصطلاحٍ خاصٍّ يكونُ لهم في مُفاوضاتِهِمْ وألفاظٍ مَخصُوصة بمَعانٍ من طريقهم، كالمقامِ، والحالِ، والفناءِ، والبقاءِ، والمَحْوِ، والإثباتِ، والنَّفْسِ، والرُّوحِ، والسِّرِّ، والبَوَادَةِ، والهواجِمِ، والخواطِرِ، والواردِ، والَّلوائحِ، والَّلوامعِ، والطَّوالعِ، والتَّلوينِ، والتَّمكينِ، والفَرقِ، والجَمْعِ، وجَمْعِ الجَمْعِ، والذَّوقِ، والشُّرْبِ، والغَيبةِ، والحُضورِ، والصَّحْوِ، والسُّكْرِ، وعِلْمِ اليقينِ، وعينِ اليقينِ، وحَقِّ اليقينِ، والمُحاضرةِ، والمُكاشفةِ، والمُشاهدةِ، والمُعاملةِ، والمُنازلةِ، والمُواصلةِ، وعِلمُ المعاملةِ، وعلمُ المُكاشفةِ.



عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق