recent

آخر المشاركات

recent
random
جاري التحميل ...
random

شرح منازل السائرين إلى الحقّ المبين - باب التَّوبةِ


قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
فأسقَطَ اسم الظُّلمِ على التّائبِ .

   التَّوبةُ في اللغة هي : الرجوع، تقول : تاب على أثره، أي : رجع على أثره، وهي هنا الرجوع عن المخالفة إلى الموافقة. والظلم في اللغة : وضع الشيء في غير محله، وهو هنا وضع الأفعال في موضع لا يحل وضعها فيه،وسقوط اسم الظلم عن التّائب في قوله تعالى: «وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» الحجرات:[ الآية 11] ظاهر،ورجوع التائب يكون عن طريق المغضوب عليهم، والضَّالين إلى الصِّراط ِالمستقيم صراط الذينَ أنعمَ عليهم، وذلك لا يكون إلا بالهداية، ولذلك يقول العبدُ: اهدِنا الصِّراطَ المُستَقيمَ ، إلى آخر السورة .

قال الشيخ رحمه الله :
والتَّوبةُ لا تَصِحُّ إلاّ بعدَ معرفةِ الذّنبِ، وهيَ أَن تَنظُر فى الذَّنْبِ إلَى ثلاثةِ أشياء: إلى انخلاعِكَ مِن العصمة حين إِتْيانِهِ، وفرحَِكَ عندَ الظَّفرِ بهِ ، وقعودِكَ على الإصرار عن تَدارُكِهِ مع يَقينِكَ بنظرِ الحقِّ إليكَ .

قوله رضي الله عنه : التَّوبةُ لا تصحُّ إلاّ بعد معرفَة الذّنبِ ، يوهمُ أنّ من تابَ ولم يعرفْ ذنوبَه كلَّها لم تصحّ توبتُهُ ، وليسَ المقصودُ هذَا ، بل المقصودُ ، أن يعرف أنه قد صدرت منه المخالفة، فالألف واللاّم في الذنب هي للجنس الذي يراد به تعيين الحقيقة، اللهم إلا أن يكون قد أراد توبة عن ذنب مُعَيَّنٍ، فذلك ظاهرٌ، لكن الغالب أنَّ مقصودَهُ إنّما هو المخالفةُ مطلقاً، لأنَّ المعنى إنَّما يصحُّ بذلك .

ثمَّ فسَّرَ مَعرِفةَ الذّنبِ بثلاثةِ أشياءَ :

أحدهما :النّظرُ في المخالفة ، إلى الانخلاع عن العصمةِ ، وهي الهدايةُ ، قال تعالى : (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ ) [آل عمران: الآية 101]، فيعظم عليه هذا الانخلاعُ إذا نظر إليه ، فيرجع بالتّوبةِ إلى العِصمةِ منه .

الثاني : قوله : (وفرحُك عند الظَّفْرِ به)، وذلك لأنَّ الفرحَ بالمعصيّةِ دليلُِ شدّة الرّغبةِ فيها، فيرجع بالتَّوبةِ عن ذلك الفرحِ إلى الحزن عليها ، وإلى الفرحِ بالإعراضِ عنهَا .

الثالث : قوله : وقعودُك ، إلى آخر الفصلِ ، ويعني الإصرار الاستقرار على المخالفةِ والطمأنينة بها ، وذلك لأنَّ الطمأنينة بالمعصيّةِ معصيّةٌ أخرى . قال تعالى :(وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) .
فجعل الرِّضا بالحياة الدّنيا من الآحرة ذنباً ، وجعل الطمأنينةَ بذلك ذنباً ىخر ، فالقعودُ عن تدارُكِ الفارطِ من المعصيّةِ إصرارٌ ، وهو ذنبٌ آخر .

ثمّ إشار إلى شرطٍ صحيحٍ وهو قوله : مع يقينِكَ بنظرِ الحقِّ إليكَ ، وذلكَ لأنّهُ إذ لم يكن مستَيْقِناً بذلكَ كان شاكًّا ، ومن كان شاكًّا كان كافراً ، والكافرُ لا تصحّث توْبَتُهُ حتى يُؤمنَ ، فإذاً شرطُ صحَّةِ التّوبةِ تيقُّنُ العاصي أنَّ الله تعالى ينظرُ إليه ، فإن استمرَّ بعدَ ذلك فهو مصرٌّ ، فالتَّوبةُ في حقّه أن يرجع عن هذا الإصرار إلى تدارُكِ التّوبةِ بالرّجوعِ إلى الموافقةِ .

وشرائط التّوبةِ ثلاثةُ أشياءَ : النَّدمُ ، والاعتذارُ ، والإقلاعُ .

الشرائطُ هي العلامات ، وأشراطُ السّاعةِ علاماتُها ، هكذا ورد في الحديثِ الصحيح ، والنّدم معلومٌ ، وكذلك الاعتذارُ .

وأمّا الإقلاع فهو تركُ ما كانَ عليهِ ، والكفُّ عن أفعالهِ وأقوالهِ التي كان يفعلُها .

فأمّا النّدمُ فهو من أفعالِ القلبِ . وأمّا الاعتذارُ فهو من أفعالِ اللّسانِ .وأمّا الإقلاعُ فهو من أفعالِ حملةِ الإنسان ، لكنّه في الأشْهرِ من أفعال الجوارحِ ، فالنّدم والاعتذارُ والإقلاعُ بجمع أحكام النَّفسِ والقولِ والفعلِ ، فيحصلُ كمالُ التَّوبةِ ، والإقلاعُ عن النّاسِ هو أصلٌ كبيرٌ في هذا البابِ ، أي تركُهُم .

قال رضي الله عنه : وحقائِقُ التَّوبَةِ ثلاثَةُ أشياءَ :

تعظيمُ الجنايَةِ ، واتِّهامُ التَّوبةِ ، وطلبُ إعذارِ الخليقَةِ .
الحقيقةُ ضدُّ المجازِ ، قال صلى الله عليه وسلّم : إنّ لكلِّ حقٍّ حقيقةٌ ، وحقيقةُ كلِّ شيءٍ زبدتهُ وخلاصَتُهُ .

فأمّا تعظيمُ الجنايةِ فهو استعظامُ قُبحِ الذّنبِ ، وذلكَ ممّا يُقوِّي النّدمَ الذي هو أحدث الشّرائِطِ المذكورةِ في التَّوبةِ .

وأمّا اتّهام التّوبة ، فهو أن يتوهّم أنّه ما وفّاها حقَّها ، وأنَّ من الجائزِ أن لا تُقببَلَ ، فيصحبُهُ الخوف دائماً ، وهذا القسم يُقَوِّي الشّرطَ الثاني من شرائطِ التّوبةِ .
وهذا الاعتذار إلى الله تعالى من التّقصيرِ في التّوبةِ.

وأمّا طلبُ إعذارؤ الخليقةِ ، فهو أن يعتذرَ من كلِّ من يتعدّى عليه ، فيكونُ قد أسقطَ حقّهُ عن النّاسِ ، وهذا القسمُ يوجبُ الهروبَ منهم ، فهذا يقوّي الإقلاع ، وهو الشّرط الثالث من شرائطِ التّوبةِ .

 شرح منازل السائرين - عفيف الدين التلمساني

عن الكاتب

حسن بن أحمد

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

نفحات الطريق

2016