التيسير في التفسير للقشيري (19)

ورُوي أنّ عمر بن الخطاب خرج إلى مكة فاستقبله أمير مكةَ نافعُ بن الحارث فقال له عمر : (من استخلفتَ عليها ؟ قال : عبد الرحمن بن أبزى، قال : ومن ابن أبزى ؟ قال : مولًى لنا، فغضب عمر فقال : وجدتَه أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم، فقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : إنّ الله ليرفع بهذا الدّين أقوامًا ويضعُ به آخرين). [رواه مسلم].

وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : (أعرِبُوا القرآنَ والتَمِسُوا غرائبهُ). [أخرجه أحمد بن منيع وابن أبي شيبة في مسنديهما]
ورُويَ عن الثوري أنه قال : (أفنينا عمرنا في الإيلاء والظّهار ونبذنا كتاب الله وراء ظهورنا فماذا نقول لربِّنا في المعاد ؟).
وعن أُبيّ بن كعب أنَّه قال : تعلَّموا العربية في القرآن كما تتعلمون حفظه.
وعن عِمرانَ قال : إعرابُ القرآنِ أَحبّ إليَّ من إقامةِ حروفِهِ.

وقد اشتهر بعلم التفسير جماعة من الصحابة ثم بعدهم من التابعين ثم أتباع التابعين ثم تبَّاع التابعين فمنهم : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن الزُّبير، وأبو موسى رضي الله عنهم، ثمّ بعدهم أتى ابن المسيّب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وخارجة بن زيد، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وعكرمةن والحسن، وابن سيرين، وقتادة، ومعاوية بن قرة، وأبو العالية، والأسود، وعَبِيدة السّلماني، والسُّدِّيّ، ومكحول، وطاووس اليماني، وعطاء الخراساني، والضحّاك بن مُزاحم، وعبد الله بن زيد بن أسلم، ومحمد بن السّائب الكَلبي، ومقاتل بن حيّانن ورجاء بن مصعب، وغيرهم ممن يكثُر ذكرُهُم من أكابر الأمّة وعلمائها من السلف الذين عُرفوا بعلم التفسير، ثم إنّهم كلهم سلكوا طريق الاستنباط، وقالوا أقاويلَ صحيحةً على أصول الدّين وإن لم يكن لهم نقلٌ متصلٌ، كيفَ وقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (ما كان النبي صلى الله عليه وسلّم يفسِّر شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد علّمهنّ إياه جبريل). [رواه أبو يعلى، والبزار، والطبري].

فإن قيل فما وجه هذا الخبر قيل ذكر محمد بن جرير أنّ في إسناد هذا الخبر ضعفاً لأن فيه رواية جعفر بن محمد الزُّبيري وهو مجهول.

ثم في تفسير الرسول عليه السلام لبعض الآيات دليل على جوازالتفسير في الجملة وبذلك أمره الله تعالى حيث قال : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل : 44]ثم قال : {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل : 44] وقال : {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل : 64].

وفي القرآن ما لا سبيل إلى معرفته، والوقوف عليه إلا من جهة الرسول عليه السلام، وهو بيان المجمل من الأحكام وتفصيل الشرائع التي لا مجال للعقول فيها ولا علم عند أحدٍ بها سوى ما يُؤخدُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرجع إليه فيه فالآيات التي فسّرها في بيان المجملاتِ التي لا تُوجَد عند غيره و لاسبيل إليه إلاّ من قبله.

وأمّا الذي سكت عنها فلأنّه وَكلَها إلى الأمّة ليحصُل لهم علوّ الدّرجة، وكمال الرُّتبة فيه علماً منه صلّى الله عليه وسلَّم أنهم يفسِّرونه بعده، وتنبيها منه بما فسّره على ما عداه.

فإن قيل فعلى ماذا تحملون قوله سبحانه : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران : 7] إلى قوله : {إِلَّا اللهُ}. قيل من النّاس من وقف على قوله : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} آل عمران : 7] ثم يبتدئ فيقول : {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} فيكون صيغته الاستقبال ومعناه الحال كأنه قال قائلين آمنا به كل من عند ربنا فعلى هذا لا كلامَ، وإن وقفتَ على قوله : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ} فذلك صوابٌ ويكون ذلك محمولاً على أوقات لا يعلمها إلاّ الله سبحانه مما لم يُطْلِعْ عليه غيرَهُ كوقت قيام الساعة، ونفخ الصور، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى وخروج الدجال وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمُهُ أحدٌ إلاّ الله تعالى، فأمّا ما عدا ذلك فالأمرُ فيه على ما ذكرناه من الآيات والأخبار وآثار السلف المختار.


إرسال تعليق

0 تعليقات